أخبار الاقتصاد

اكتشف مغامرة العثور على “رغيف الخبز” في غزة

منذ الساعة الخامسة صباحاً، يقف محمد جادالله في منطقة المواصي جنوب قطاع غزة، بانتظار قسط من الخبز يكفي لإطعام أسرته، ومثلما قال جاد الله، النازح من مدينة رفح، لـبي بي سي نيوز عربي: “ربطة الخبز قد تكفي أحياناً، لكنها لا تلبي احتياجات العائلة في الكثير من الأحيان”، إذ تفاقمت أزمة الخبز في غزة مع نقص حاد في كميات الدقيق الداخلة إلى القطاع، نتيجة القيود المفروضة على المعابر، وتعطل سلاسل الإمداد، بالإضافة إلى تراجع كميات الوقود اللازمة لتشغيل المخابز والمطاحن، وتحاول المنظمات الإغاثية، وعلى رأسها برنامج الأغذية العالمي، الحد من هذه الأزمة عبر تشغيل عدد من المخابز المدعومة، وتوزيع الخبز في نقاط محددة داخل القطاع، إذ يُعتبر الخبز أحد أبرز المواد الموجودة داخل المساعدات المقدمة، ويصف جاد الله الوضع بأنه “صعب جداً”، مطالباً بآلية توزيع أكثر عدالة، أو توفير الخبز مجاناً للأسر النازحة، مضيفاً: “إن لم أحصل على الخبز، ألجأ إلى التكية للبحث عن وجبة بديلة، وإن لم أجد، أضطر لطهي الأرز أو المعكرونة، وأحياناً ينام أطفالي دون طعام”، ويتساءل بمرارة: “كيف نقنع طفلاً يبكي جوعاً بأنه لا يوجد خبز؟”.

الجوع يشتد مجدداً

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واجه القطاع ثلاث مراحل قاسية من المجاعة، مرتبطة بتطورات السياسة والعسكرية، شهدت الإمدادات فترات تحسن مؤقت، قبل أن تتراجع مجدداً مع الأحداث الإقليمية، وإغلاق المعابر عقب اندلاع الصراع بين إيران وإسرائيل، مما زاد من حدة أزمة رغيف الخبز الشهر الحالي، وأوضحت الحكومة التابعة لحماس في غزة أن الأشهر الأخيرة شهدت انخفاضاً في إنتاج الخبز بسبب نقص الدقيق، مع تراجع إدخال البضائع والمساعدات، حيث لم تتجاوز الكميات التي سُمح بدخولها 38 بالمئة مما كان يُدخل قبل الحرب، رغم الاتفاق على إدخال 600 شاحنة يومياً ضمن البروتوكول الإنساني لوقف إطلاق النار، وتبرز مشكلة إضافية تعقد من عملية الحصول على الخبز، تتمثل في نقص “الفكة” (العملات النقدية الصغيرة) إذ تشترط المخابز الدفع النقدي بفئات محددة لا تتوفر لدى معظم النازحين، مما يجعل رحلة البحث عن الخبز معاناة مركبة، ويقول نضال عبد العال، النازح في المواصي، إن الطوابير الطويلة عادت بسبب ارتفاع الأسعار، وغياب الوقود الذي يمنع عائلاتهم من الخبز في المنازل، مما جعلهم يعتمدون كلياً على المخابز المدعومة.

لماذا وصلنا إلى هنا؟

رصدت كاميرا بي بي سي تهالك الماكينات التي تعمل عبر مولدات متهالكة، في ظل نقص الوقود وغياب الصيانة، في محاولة لتحديد أسباب الأزمة، أكد رئيس جمعية أصحاب المخابز في غزة، عبد الناصر العجرمي، لـبي بي سي نيوز عربي، أن القطاع يعاني عجزاً حاداً في الإنتاج يصل إلى 45%، موضحاً أن غزة تحتاج إلى 450 طناً من الطحين يومياً، بينما المتاح حالياً هو 260 طناً فقط، وأرجع العجرمي الأزمة إلى استمرار منع الجانب الإسرائيلي إدخال الزيوت الصناعية للمولدات وقطع غيار المخابز منذ السابع من أكتوبر، مُشيراً أن الجهود أثمرت مؤخراً عن إدخال كميات من الطحين التجاري لكسر “الفيتو” المفروض عليه، وأوضح ويلي نيكو، منسق الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي في غزة، خلال حديثه مع بي بي سي، أن الأزمة بلغت ذروتها عقب التصعيد الإقليمي في نهاية فبراير الماضي، في وقت لا يملك فيه البرنامج القدرة على تغطية الاحتياجات بالكامل، حيث يُنتج البرنامج نحو 130 ألف ربطة خبز يومياً عبر شبكة من المخابز، مما يعادل حوالي 260 ألف كيلوغرام من الخبز، وهذه الكمية لا تغطي سوى 30% من الاحتياج اليومي للقطاع، مما يترك 70% يفترض أن يغطيها القطاع التجاري، لكنه يعاني من نقص الإمدادات، مما دفع العديد من التجار للانسحاب من السوق، ليبقى العجز قائماً في شراء طحين القمح.

“السوق السوداء وغياب العدالة”

إلى جانب نقص الإمدادات، تتفاقم الممارسات السلبية التي تعمق معاناة السكان، حيث يشير نضال عبد العال إلى غياب العدالة في التوزيع، مؤكداً أن البعض يستغل الأزمة بإرسال أطفالهم للحصول على كميات كبيرة من الخبز بالسعر المدعوم (3 شيكل) لربطة الخبز الواحدة، لإعادة بيعها في السوق السوداء بأسعار تصل إلى 10 شيكل (نحو 3 دولارات)، مستغلين بذلك حاجة العائلات التي تعجز عن الوقوف في الطوابير، ويتساءل توفيق دياب، النازح من بلدة خزاعة، “أين يذهب الطحين الذي يقال إنه يدخل القطاع؟ ولماذا يُضطر المسنون للاصطفاف لساعات من دون كرامة؟”، تظل هذه التساؤلات معلقة، فيما تستمر الحياة في غزة شبه متوقفة بانتظار رغيف خبز قد يأتي… أو لا يأتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى