سويسرا تسعى لوضع خطة عالمية للانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري

يمثل إنتاج واستهلاك الوقود الأحفوري 68% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً، وفي ظل التوترات العالمية المرتبطة بالنفط والغاز، يهدف مؤتمر دولي، يعقد لأول مرة في كولومبيا، إلى تعزيز الانتقال نحو الطاقة النظيفة، وتدعم سويسرا جهود وضع خطة للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري.
تم نشر هذا المحتوى في
21 أبريل 2026 – 09:00
أغطّي مواضيع تغير المناخ والطاقة من خلال تقارير ومقالات ومقابلات وتحقيقات معمقة، وأهتم بتأثير الاحتباس الحراري على الحياة اليومية والحلول الممكنة لكوكب خالٍ من الانبعاثات، وأحب السفر والاستكشاف، ولي دراسة في البيولوجيا والعلوم الطبيعية، وأعمل صحفيًا في سويس إنفو منذ أكثر من 20 عاماً.
سيكتسب “مؤتمر التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري”، الذي يعقد من 24 إلى 29 أبريل في سانتا مارتا بكولومبيا، أهمية ملحّة، بسبب الاضطرابات الناجمة عن النزاع في الشرق الأوسط وتأثيرها على تزويد النفط والغاز، حيث تُعتبر هذه القمة الدولية الأولى التي تركز على التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري حصرياً.
ما هدف مؤتمر سانتا مارتا؟ ومن يشارك فيه؟
يهدف المؤتمر، الذي تنظمه كولومبيا وهولندا، إلى تطوير حلول عملية لتسريع عملية التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، بما يتماشى مع الأهداف العالمية لتقليل الاحترار إلى 1.5 درجة مئوية، ويسعى إلى تحديد الأدوات القانونية والتدابير الاقتصادية والاجتماعية اللازمة لضمان انتقال عادل ومنظم ومنصف.
ستكون سويسرا ممثلة في المؤتمر من خلال سفير البيئة، فيليكس فيرتلي، وقد أكدت خمس دول أخرى مشاركتها بما في ذلك دول منتجة للوقود الأحفوري مثل كندا والنرويج.
تمثل قمة سانتا مارتا منصة جديدة للحوار والتعاون، بعد توقف المناقشات حول الوقود الأحفوري في مؤتمر الأمم المتحدة الأخير حول المناخ (كوب 30) المنعقد في بيليم بالبرازيل، ولكنها لن تحل محل المفاوضات الرسمية للمناخ في الأمم المتحدة، بل تهدف إلى إنشاء منصة حكومية دولية تكميلية لدعم الدول التي تسعى لتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري.
تغطي المنتجات النفطية حوالي نصف احتياجات سويسرا من الطاقة:
المزيد
المزيد
التكيف مع المناخ
رغم الحرب في إيران.. سويسرا تؤكد استقرار إمدادات الوقود وارتفاع الأسعار
لماذا يُعقد مؤتمر حول الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري الآن؟
تساهم الوقود الأحفوري في نحو 68% من الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة، ولهذا يُعتبر من الضروري استبداله بمصادر طاقة أنظف مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتحقيق الأهداف المناخية.
في المؤتمر الدولي للمناخ (COP) في دبي عام 2023، أقرت حوالي 200 دولة ضرورة تقليص استهلاك النفط والغاز والفحم تدريجياً، وهو القرار الذي جاء بعد ثلاثين عاماً من المفاوضات المناخية، ورغم التقدم في الاستثمارات في الطاقات المتجددة، من المتوقع أن يستمر الإنتاج العالمي للوقود الأحفوري في الارتفاع، كما يُظهر ذلك الرسم البياني.
في العام الماضي في بيليم، دعمت أكثر من 80 دولة فكرة الرئيس البرازيلي بوضع خارطة طريق عالمية للانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري، ولكن لم يُدمج هذا الاقتراح في التقرير النهائي للمؤتمر بسبب المعارضة من الدول الكبرى المنتجة للنفط مثل المملكة العربية السعودية وروسيا.
وللحفاظ على الضغط الدولي، أطلقت مجموعة أصغر من الدول، بقيادة كولومبيا وهولندا، مسارًا دبلوماسيًا جديدًا بعيدًا عن مفاوضات المؤتمر الدولي للمناخ (COP)، وذلك عبر إصدار “تقرير بيليم حول الانتقال العادل بعيدًا عن الوقود الأحفوري”، الذي أشار إلى تعارض إنتاج الوقود الأحفوري مع الأهداف المناخية العالمية، وقد حظي الدعم حتى من بعض الدول المنتجة للنفط والفحم، مما فتح المجال لعقد مؤتمر سانتا مارتا.
ما موقف سويسرا من مبادرة التخلي عن الوقود الأحفوري؟
تدعم سويسرا المبادرة البرازيلية لوضع خارطة طريق دولية للتخلص الكامل من الوقود الأحفوري، ويجب أن تحدد هذه الخارطة مراحل واضحة لتنفيذ عملية الانتقال، كما تلتزم سويسرا بالمشاركة في المبادرات الدولية نحو إلغاء الدعم المالي الضخم للوقود الأحفوري.
وعلى الرغم من تعقيد الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري، يعتبر المكتب الفدرالي للبيئة أن “مؤتمر سانتا مارتا سيوفر فرصة لتبادل الآراء حول التحديات المشتركة، كما أنه يمثل بداية نقاش ضروري للغاية”، وهذا الانتقال لا يقتصر فقط على الجانب المناخي، بل يمتد إلى الجوانب الاقتصادية والأمنية بالإضافة إلى إعادة تأهيل قوى العمل.
على الصعيد الداخلي، تهدف سويسرا لتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050، وليس هناك حظر واضح على الوقود الأحفوري، بل هناك جهود لتقليل استهلاكه من خلال دعم أنظمة تدفئة بديلة وتقنيات صناعية مستدامة.
ومع ذلك، يواجه هذا التوجه انتقادات بسبب نقص خطة وطنية واضحة للتخلص من الوقود الأحفوري، ومع دعوة حزب الخضر إلى وضع استراتيجية واضحة لضمان التخطيط والاستثمار في هذا المجال.
تعتبر ليونور هيلغ، من مؤسسة الطاقة السويسرية، أن التحول من الوقود الأحفوري إلى الكهرباء وتخفيف الطلب على الطاقة سيساهم بشكل كبير في تقليل اعتماد سويسرا على مصادر غير مستقرة جيوسياسيًا، مضيفةً أن الأحداث الحالية في الشرق الأوسط تبرز هشاشة المستوردين في مواجهة تقلبات الأسعار.
ما تأثير الحرب في إيران على مبادرة التخلي عن الوقود الأحفوري؟
تؤكد ليونور هيلغ أن أزمة الطاقة الناجمة عن الهجوم على إيران ستعزز المطالب العالمية عن ضرورة التخلي عن الوقود الأحفوري، لكنها تُشير أيضًا إلى أنه قد لا يكون لهذا الأمر تأثير مباشر على الاستعدادات الفورية للدول في الالتزام بخارطة طريق واضحة.
تقول باولا يانغواس بارا، المستشارة السياسية في المعهد الدولي للتنمية المستدامة، إن الأزمة الحالية توضح أن الوقود الأحفوري لا يوفر أمان الطاقة بل يقوضه، مما يعزز الحاجة العالمية للتخلص منه. وأكدت أن الدعم السريع لأسعار الوقود قد يكون تركيبًا مؤقتًا، لكن البيانات تظهر تكلفته وصعوبة إلغائه.
ترى يانغواس بارا أن بعض الحكومات توسيع إنتاج الوقود تحت شعار الأمان، بينما تعمل أخرى على تسريع الانتقال إلى مصادر أنظف، مشيرةً إلى أن الحوافز السياسية الملائمة تدعم الانتقال السريع نحو الطاقات المتجددة. وتستشهد بأوروغواي كنموذج لنجاح بناء نظام كهربائي يعتمد تقريبًا على مصادر الطاقة المتجددة في زمن قياسي.
من جهة أخرى، يمكن للدول المنتجة للوقود الأحفوري الاستفادة من ارتفاع الأسعار لتحويل اقتصاداتها، شرط أن تُدار العائدات بشكل حكيم لتعزيز الاستدامة بدلاً من الاعتماد المستمر.
يبرز الوضع الحالي عدم كفاية الاعتماد على الوقود لتحقيق أمن الطاقة، بل يشدد على أهمية تجاوزه، مع التأكيد على أن الانتقال المنظم عن الوقود الأحفوري لم يكن ضروريًا لتحقيق الأهداف المناخية فحسب، بل أيضًا لاستدامة الأنظمة الطاقية في المستقبل.
ماذا يمكن توقعه من مؤتمر سانتا مارتا؟
لن يُثمر المؤتمر عن اتفاق ملزم، ولكنه قد يؤدي إلى تشكيل وثيقة مشتركة حول الانتقال من الوقود الأحفوري، ومن المتوقع أن تحتوي على أهداف طموحة عنه في المؤتمرات الدولية السابقة، ويعتبر ذلك مسودة أولية لخارطة طريق عالمية للتخلص بشكل تدريجي من الوقود الأحفوري.
يسعى الفريق المنظم إلى توسيع نطاق المجموعة الأولية من الدول الراغبة لإطلاق إعلان بيليم، إلى تحالف أكبر يشمل حكومات ومؤسسات دولية وشركات لوضع الأسس اللازمة للتخلص من الاعتماد على الوقود الأحفوري.
المزيد
ما هو الدور الذي يجب على سويسرا أن تلعبه للإسهام في حل أزمة المناخ؟
تحرير: غابي بولارد
ترجمة: إيفون صعيبي
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلّي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد



