تنافس ضاري على النفوذ بين واشنطن وبكين في حصار هرمز يتخطى إيران
في تراجع عن قرارها بإعادة فتح مضيق هرمز، عادت إيران في اليوم التالي وفرضت سيطرتها على المضيق، وذلك ردًا على الحصار المفروض على موانئها، بينما حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران من “ابتزاز” الولايات المتحدة، مهددًا باتخاذ “موقف صارم”، حيث أشار ترامب إلى عزمه على مواصلة حصار الموانئ الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
بدأ الحصار البحري الأمريكي لمضيق هرمز، الذي أعلنه ترامب بعد انهيار المحادثات مع إيران في باكستان، اعتبارًا من يوم الاثنين (13 إبريل/نيسان 2026)، حيث أعلنت الولايات المتحدة عن منع السفن من دخول أو مغادرة الموانئ الإيرانية.
جاءت هذه الخطوة بعد أن أغلقت إيران فعليًا الممر البحري الضيق رداً على الضربات الجوية الأمريكية-الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير الماضي، مما عرض وقف إطلاق النار الهش الذي استمر أسبوعين للخطر، وعزز من صعود أسعار النفط التي كانت بالأساس مرتفعة.
علاوة على ذلك، سيؤثر حصار السفن والنفط الإيراني بشكل ملحوظ على الصين، التي تُعتبر أكبر مشتر للنفط الإيراني.
ما موقف الصين؟
في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء (14 إبريل/نيسان 2026)، وصف متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية الحصار البحري الأمريكي بأنه خطوة “خطيرة وغير مسؤولة”، محذرًا من أن هذا الحصار “لن يؤدي إلا إلى تفاقم المواجهة وتصعيد التوتر، وتقويض وقف إطلاق النار الهش”، بينما أشار وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال اجتماع مع مسؤولين من الإمارات إلى أن إغلاق مضيق هرمز “لا يخدم المصالح المشتركة للمجتمع الدولي”.
يُعتبر مضيق هرمز ممرًا مائيًا حيويًا لصادرات الطاقة من منطقة الشرق الأوسط، إذ يمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية، ويُعد أحد أكثر الممرات النفطية أهمية في العالم.
في منشور على منصة “تروث سوشيال”، ذكر ترامب أن “دولًا أخرى ستشارك في الحصار”، دون تحديد الدول المعنية، بينما رفضت وسائل الإعلام الرسمية الصينية هذا الإدعاء، معتبرة أن واشنطن “شوّهت منطق القضية عبر جرّ المزيد من الدول إلى الصراع، إذ إن السبب الجذري لاحتجاز مضيق هرمز يكمن في العملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران”.
يتفق هذا الطرح مع تصريحات متحدث وزارة الخارجية الصينية، قوه جياكون، الذي قال في مؤتمر صحفي إن اضطرابات الملاحة في المضيق ناتجة عن الصراع مع إيران، وأن الحل يكمن في وقف فوري لإطلاق النار.
بالإضافة إلى ذلك، وصفت وسائل الإعلام الصينية الرسمية خطط واشنطن بأنها “حصار ردًا على حصار”، مشيرة إلى أن ذلك يشبه “الفشل في سرقة دراجة ثم إضافة قفل آخر لها”، مما يطرح تساؤلات حول كيفية تفسير الصين للحصار الأمريكي ومن تستهدف واشنطن بالضغط حقًا.
ضغط على الصين للتحرك!
في مقابلة مع “دويتشه فيله” (DW)، وصف الأستاذ تشانغ لون من جامعة سي واي سرجي-باريس الحصار الأمريكي بأنه “رد بالمثل”، مضيفًا أن خطوة واشنطن تهدف أيضًا إلى “دفع الصين إلى الواجهة”، موضحًا أنه قد يتمكن البيت الأبيض من إيجاد مخرج من الصراع مع حفظ ماء الوجه إذا نجحت واشنطن في دفع بكين لممارسة ضغط على طهران للموافقة على الشروط الأمريكية.
بتطبيق أسلوب ترامب القائم على عقد الصفقات، رجح تشانغ أنه إذا منحت الصين هذا “الانتصار” لترامب، فقد تحصل بكين في المقابل على نفوذ أكبر في المفاوضات المستقبلية حول قضايا مثل تايوان، ومع ذلك، لا يعتقد تشانغ أن الصين ستتدخل بشكل مباشر في الشرق الأوسط، فرغم تأثير حصار مضيق هرمز على المصالح الصينية إلا أن الأولوية الاستراتيجية لبكين تبقى المحافظة على توازن دقيق من خلال الحفاظ على علاقات مستقرة مع جميع الأطراف المعنية.
السردية الصينية
من جهة أخرى، تصوّر وسائل الإعلام الرسمية الصينية الحصار الأمريكي كجزء من “منطق الهيمنة” القائم على استخدام القوة عند فشل المفاوضات، حيث حشدت واشنطن قواتها العسكرية في الشرق الأوسط كاستعداد لتصعيد الحرب، سواء في فترة المفاوضات أو خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في باكستان.
كما تظهر وسائل الإعلام الصينية الولايات المتحدة بأنها تسعى لانسحاب سلس، وتحاول “تجميل النصر” عبر الادعاء بأنها حققت أهدافها في إيران، بما في ذلك تغيير النظام وتنفيذ ضربات ناجحة على أهداف محددة، وفي الوقت نفسه، تصف هذه الوسائل مضيق هرمز بأنه “نقطة ضعف قاتلة” بالنسبة للولايات المتحدة لا يمكن تجاهلها، حيث إن فشل العمليات العسكرية في إيران وفقدان السيطرة على المضيق وارتفاع أسعار النفط والتضخم تعد عوامل ذات تأثير مباشر على إدارة ترامب في الانتخابات المقبلة.
مقامرة محفوفة بالمخاطر
يفسّر الخطاب الرسمي الصيني حصار إيران لمضيق كدليل على تفوق طهران على الولايات المتحدة وإسرائيل في المناورة، ومن وجهة نظر إيران، فإن تحول واشنطن من التحذيرات إلى العودة إلى المفاوضات يعكس صمودها ورفضها للضغوط العسكرية الأمريكية.
في الوقت نفسه، تُعتبر خطوة الولايات المتحدة بحصار الموانئ الإيرانية محاولة لتعويض ضعف موقفها التفاوضي بعد العمليات العسكرية السابقة التي لم تجبر النظام على التغيير، وهو من الأهداف الرئيسية لترامب في بداية الحرب.
ومع ذلك، تصف وسائل الإعلام الصينية الرسمية الحصار الأمريكي بأنه “مقامرة”، مشيرة إلى أنه بينما تأمل واشنطن في كسر الجمود عبر ممارسة ضغط شديد، فإن قدرات إيران الصاروخية قد تعجل من التصعيد، وبما أن كلا الطرفين في حالة استعداد عسكري، فإن انهيار المحادثات سيزيد بشكل كبير من خطر اندلاع صراع واسع النطاق.
ضغط على أمن الطاقة الصيني
يؤكد تشانغ لون أن الدوافع الأمريكية لا تقتصر فقط على الاستجابة لإسرائيل أو للتوترات المستمرة مع إيران أو مخاوفها من برنامجها النووي، بل تشمل هدفًا أوسع يتمثل في التحكم في موارد الطاقة العالمية، وهو ما أشار إليه ترامب مرارًا وتكرارًا.
في هذا السياق، لفت المتحدث ذاته إلى وجود بعد من “الضغط الاستراتيجي الأوسع” على الصين، حيث عملت الولايات المتحدة على تعزيز نفوذها في فنزويلا، وفي حال خضعت إيران أيضًا للنفوذ الأمريكي، قد يؤدي ذلك إلى تقيد وصول الصين إلى المصادر النفطية، في ظل كونها أكبر مشتر للنفط الإيراني وشريكة رئيسية لها، حيث أفادت التقارير أن الصين تواصلت مع المسؤولين الإيرانيين خلال محادثات وقف إطلاق النار، وحثت طهران على قبول الشروط التي توسطت فيها باكستان، ومع ذلك، لا يزال غير واضح ما إذا كانت الصين ستتولى علنًا دور الضامن لأي اتفاق مستقبلي.
دعم عسكري أم “أدوات” بديلة؟
زعمت مصادر استخباراتية أمريكية أن الصين قدمت أو تستعد لتقديم أسلحة لإيران، وفقًا لتقرير حديث نشرته شبكة “سي إن إن”، بينما حذر ترامب الصين من أنها قد تواجه رسومًا جمركية جديدة قد تصل إلى 50 بالمئة إذا قدمت دعمًا عسكريًا لطهران، في المقابل، رفضت وزارة الخارجية الصينية هذه الاتهامات ووصفتها بأنها “افتراءات لا أساس لها”.
في تعليق له على موقع “فونيكس”، قال هو شيجين، شخصية إعلامية صينية بارزة، إن هذه المزاعم تهدف إلى توجيه “اتهامات استباقية” لردع الصين، مضيفًا أن بكين “لا تزال تمتلك العديد من الأوراق التي يمكنها لعبها”، كما أشار تشانغ إلى أن للصين أدوات إضافية، مثل صادرات المعادن النادرة، حيث قال: “إذا قامت الولايات المتحدة بتسليح المضيق، فبإمكان الصين أيضًا تسليح العناصر الأرضية النادرة”، على حد تعبيره.
الكاتب: جينهان لي
أعده للعربية: ر.م