أخبار الاقتصاد

تداخل القوى في إيران… معركة مستمرة لروايات متناقضة

رصد العتوم ازدواجية لافتة تميز المشهد الإيراني الحالي، بين خطابين متوازيين لا يلتقيان؛ فبينما يسعى الرئيس الإيراني (مسعود بزشكيان) ووزير خارجيته عباس عراقجي إلى إرسال رسائل تهدئة موجهة للخارج، بهدف طمأنة الأسواق والبيئة الإقليمية، يعمل الحرس الثوري في اتجاه معكوس تماماً، إذ يرفع من مستويات التهديد ويضع شروطاً مغايرة، ضمن ما أطلق عليه الخبير “مكاسرة الإيرادات السياسية” مع واشنطن.

ولا يعتبر العتوم هذا التناقض مجرد اختلاف في المواقف، بل يشخصه كحرب روايات مقصودة ومدارة بوعي من الطرفين، بما في ذلك الجانب الأميركي، الذي يستغل هو الآخر فوضى التصريحات كأداة لتعجيل التنازلات الإيرانية.

وفي هذا السياق، تحرص الخارجية الإيرانية على تقديم نفسها كواجهة للتفاوض مع واشنطن، بينما يسيطر الحرس الثوري على ملفي الأمن الإقليمي والمفاوضات النووية من خلف الكواليس.

غياب المرشد.. إشارة استخباراتية خطيرة أم قرار تكتيكي؟

على صعيد بنية السلطة، أثار العتوم تساؤلات جدية حول ظاهرة غياب المرشد عن المشهد العام، واستبداله للظهور المباشر برسائل مكتوبة.

ويعتبر الخبير أن هذا التحول يحمل دلالة استخباراتية، مشيراً إلى أنه إشارة خطيرة على تعطّل مؤقت في وظيفة القيادة الرمزية، وليس مجرد بروتوكول عادي.

ويطرح العتوم احتمالين رئيسيين لا ثالث لهما: إما أن يكون هناك وهن صحي يعيق قدرة المرشد على الظهور، أو قرار مدروس لإخفاء ضعفه الجسدي، مؤكداً أن النتيجة في الحالتين واحدة: “فجوة واسعة بين مراكز القرار والصورة العامة”.

ويلفت العتوم إلى أنه رغم أن القرار يُنسب رسمياً للمرشد مجتبى خامنئي، فإن صياغته وتوقيته أصبحتا في يد الدوائر العسكرية والأمنية، وهو نمط يزيد من سرعة التحرك لكنه يقلل من المساءلة ويفتح المجال أمام قرارات غير مدروسة ومتناقضة.

ويضيف العتوم بُعداً سياسياً مهماً، حيث رصد تسريبات من بيئات قريبة من الجناح المتشدد المرتبط بمكتب المرشد، تشكك في مدى حضور المرشد الفعلي وتطالبه بدليل ملموس، مما يكسر احتكار الرواية الرسمية من داخل مقر المرشد ذاته، وهو حدث نادر الدلالة.

وعلى صعيد أوراق الضغط الإيرانية، خلص العتوم إلى أن ورقة مضيق هرمز، التي لطالما لوحت بها طهران كوسيلة ضغط على خصومها، أصبحت عبئاً استراتيجياً ثقيلاً عليها.

فتهديد إغلاق المضيق أصبح ذريعة تمنح واشنطن مبرراً لتشديد الحصار على إيران بدلاً من ردعهم، بالإضافة إلى توفيره غطاءً للتدخل العسكري الأميركي وانضمام دول أوروبية إليه، مما ساهم في توحيد خصوم طهران في جبهة واحدة ضدها.

من منطق “رابح-رابح” إلى معادلة “منكسر في مواجهة منتصر”

يقارن العتوم بين موقف إيران التفاوضي في اتفاق 2015 وموقفها اليوم، فرسام صورة قاتمة للمفاوض الإيراني، ففي اتفاق فيينا، دخلت طهران المفاوضات وهي تمتلك برنامجاً نووياً وصاروخياً متقدماً، وشبكة من الوكلاء والأذرع الممتدة، مما منحها موقفاً تفاوضياً وفق معادلة “رابح-رابح”.

أما اليوم، فقد تآكلت جميع تلك الأوراق: حيث تضرر البرنامج النووي والصاروخي، وتكبدت شبكة الوكلاء خسائر فادحة، وجاءت الهزيمة في سوريا والضربات الموجهة لحزب الله لتكمل المشهد.

وعليه، يخلص العتوم إلى أن المفاوضات الراهنة تجري وفق معادلة “رابح في مواجهة خاسر”، تفاوض فيه واشنطن من موقع القوة، بينما تجلس طهران إلى طاولة المفاوضات تحت ثقل الانكسار.

نظام “لا يخسر شيئاً” ويخشى اليوم التالي

ويختتم العتوم تحليله بما وصفه بأهم رهان تعول عليه طهران: طبيعة النظام الانتحارية. إذ لم تعد إيران ترى أمامها ما تخسره، وتعتقد أن تكاليف الاستمرار في المواجهة أهون عليها من تقديم تنازلات اعتبرها “مميتة”، لأن أي تنازل في الملف النووي أو الصاروخي أو انسحاب من الأزمات الإقليمية يعني انكفاء إيران نحو الداخل ويمهد لتفكيك النظام تدريجياً.

ومع ذلك، فإن الخشية الأكبر التي تؤرق الحرس الثوري تحديداً، كما يرى العتوم، هي “اليوم التالي”؛ إذ يرى أن الاستسلام الدبلوماسي سيفتح المجال أمام احتجاجات داخلية غير مسبوقة، مستشهداً بتحذيرات مساعد سابق لوزير الداخلية الإيراني وبالتحركات الاستباقية لقائد الشرطة الإيرانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى