الذكاء الاصطناعي يهدد فرص العمل في السعودية ويترك آثارًا سلبية على سوق العمل

تعد عمليات تسريح الموظفين شيئًا مألوفًا في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يتزايد تأثير الآلات على القوى العاملة، مما يؤدي إلى سرقة الوظائف والقيمة الإنسانية، والأسوأ هو أن هذا الواقع أصبح زلزالًا حقيقيًا يؤثر على المجتمعات بأكملها. تساهم الأزمات الاقتصادية والاضطرابات في سلاسل الإمداد في تسريع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى أمد بعيد، مما يجعل “الاستقرار الوظيفي” مجرد ذكرى في عقول الكثيرين. عند إعلان رئيس أحد أكبر البنوك عن وقف عمليات التوظيف، كانت الرسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي هو المستقبل القريب وليس البعيد.
مع وجود شركات قادرة على استبدال موظف يتقاضى 120,000 دولار سنويًا بخدمة ذكاء اصطناعي مقابل 100 دولار شهريًا، تتضارب المصالح بين الواجب تجاه المساهمين والمسؤولية الاجتماعية. كثير من هذه القرارات تُتخذ في صمت، حيث تتلاشى أصوات المسرحين شيئًا فشيئًا.
• الأرقام تكشف القادم!
في النصف الأول من عام 2025، فقد 77,999 موظفًا في مجال التقنية وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي، مما يعني اختفاء 491 وظيفة يوميًا. ولكن العدد الأكثر إثارة للقلق يأتي من خطط بنوك وول ستريت التي تستهدف التخلص من 200,000 وظيفة خلال الثلاث إلى الخمس سنوات القادمة، معظمها من الأدوار المبتدئة والخلفية. هذه السياسة ليست اعتباطية، فالكثير من الشركات تختار مصطلحات تضفي طابعًا إيجابيًا على عمليات التسريح، مثل “إعادة هيكلة” و”زيادة الكفاءة”.
الضغط الاقتصادي العالمي يعجل بعمليات التسريح، فالأزمات الاقتصادية لا تبطئ من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بل تعززه. فقد صرّحت مديرة صندوق النقد الدولي في أحد المؤتمرات بأنه يجب الاستعداد لما سيحدث، حيث أن الذكاء الاصطناعي يضرب أسواق العمل كأعاصير. ومع ارتفاع أسعار النفط والتعريفات الجمركية، تتقلص الهوامش الربحية للشركات، مما يجعل الحلول التكنولوجية الرخيصة ضرورة ملحة. خلال العامين الماضيين، انخفضت تكلفة نماذج الذكاء الاصطناعي بمعدل 280 مرة، مما يجعلها الآن متاحة حتى للشركات المتوسطة. المعادلة واضحة، فالأزمة الاقتصادية تستدعي استخدام تقنيات رخيصة تدعمها ضغوط المساهمين، مما يؤدي إلى تسريحات مستمرة واستبدال دائم بالذكاء الاصطناعي.
الأكثر إيلامًا هو أن الشركات تقوم بالتسريح بناءً على وعود الذكاء الاصطناعي وليس بناءً على نتائج حقيقية. 41% من أصحاب العمل يخططون لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتقليص موظفيهم، في حين أن 77% منهم أيضا يعتزمون إعادة تأهيل موظفيهم للعمل جنبا إلى جنب مع التكنولوجيا. بمعنى آخر، يفقد الناس وظائفهم اليوم لصالح آلات لم تثبت جدواها بعد في الغد. هذه ليست تقدمًا وإنما مقامرة بأرواح الناس على مستقبل غير مضمون.
• الفرز الحضاري أم الاستبدال؟
ما يحدث ليس مجرد استبدال جماعي، وإنما نوع من الفرز الحضاري. العمال ينقسمون إلى فئتين: من يستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراته ومن يحلّ مكانه الآلة. الفاصل بين الفئتين لا يعتمد على المؤهلات أو الخبرة أو العمر، وإنما على مهارة واحدة بسيطة: القدرة على التعامل مع الآلة. إذا لم تكن تمتلك هذه المهارة، فإن الآلة ستعمل كبديل لك.
• حين تسرق الآلة قيمة الإنسان
عندما يفقد شخص عمله لصالح آلة، لا يشعر فقط بتأثير فقدان الوظيفة، بل يشعر أيضًا بأن قيمته تنقلب إلى شيء يمكن قياسه واستبداله. شعور من نوع آخر يُعتبر أخطر من البطالة نفسها. فمن السهل على المرء أن يجد وظيفة جديدة بعد فترة من البطالة، ولكن الشعور بأن آلة تفوقه في الكفاءة هو ما يترك أثرًا أعمق. يطرح هذا الأمر سؤالًا صعبًا: ماذا يمكنني أن أقدمه للعالم؟ وما قيمة وجودي إذا كانت الآلة تتفوق علي؟ عبر التاريخ، عرف الإنسان نفسه بعمله، حيث كان العمل يمثل إجابة لأسئلة الوجود. ولكن الذكاء الاصطناعي لا يسرق الوظائف فحسب، بل يسرق أيضًا الإجابات والقيم، ويترك الفرد في مواجهة تساؤلات وجودية أكبر: إذا لم يكن ما أعمله هو جزء من هويتي، فماذا أكون؟ وما هي قيمتي الحقيقية؟
تتوقع التقارير العالمية تهجير 92 مليون وظيفة بحلول عام 2030، مع خلق 170 مليون فرصة عمل جديدة، ولكن الفجوة بين تلك الوظائف ليست سهلة. فوظائف اختفى وأخرى ولدت ليست في نفس المكان ولا تتطلب نفس المهارات، مما يؤدي إلى فرقا شاسع في الرواتب. على سبيل المثال، عامل البريد في مدينة معينة لا يمكنه التحول بسهولة إلى مهندس ذكاء اصطناعي في مدينة أخرى. التحديات تبقى قائمة، وفي هذا الإطار يتعين أن نفكر مليًا في واقع العمل باهتمام بالغ.



