أخبار الاقتصاد

أزمات غزة الاقتصادية تضع مشاريع صغيرة في مواجهة صراع البقاء

أخبار حياة – في شوارع غزة المنهكة بفعل الحرب والأزمة الاقتصادية، تحول العمل من خيار إلى ضرورة ملحة للبقاء، ومع تراجع الفرص الوظيفية، وعدم انتظام الرواتب، وضعف مصادر الدخل، يتجه الكثيرون إلى إقامة مشاريع صغيرة، والتي غالبًا ما تتسم بالبساطة، كمحاولة أخيرة لتوفير الحد الأدنى من المستلزمات الأساسية التي بات الحصول عليها تحديًا يوميًا مستمرًا يواجهه الآباء بلا توقف.

اقتصاد متهاوي وأرقام مثيرة للقلق

يشهد قطاع غزة انهيارًا اقتصاديًا شاملًا وغير مسبوق، حيث دمرت الحروب نحو 85% من المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية، وتجاوزت معدلات البطالة 80%، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بشكل حاد، ليصبح الاقتصاد في حالة “اقتصاد كفاف” يعتمد بشكل كامل على المساعدات الإنسانية، مع توقف شبه كامل للإنتاج والزراعة ودمار واسع يعاني منه القطاع الإنتاجي.

أثرت الحروب بشكل كبير على البنية التحتية الإنتاجية، حيث تضررت المصانع والمنشآت الانتاجية، مما أدى إلى فقدان آلاف العمال لمصادر رزقهم، مع انخفاض هائل في الناتج المحلي الإجمالي، ليصبح اقتصاد غزة اليوم يمثل نحو 13% فقط من حجمه في عام 2022، فيما يظل غالبية السكان تحت خط الفقر، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة.

تعرضت الأراضي الزراعية للدمار، وتحطمت الآبار وشبكات الري، مما أدى إلى انهيار إنتاج الغذاء المحلي، وأصبح السكان يعتمدون بشكل كامل على المساعدات، في غياب للأمن الغذائي.

يمكن القول إن اقتصاد غزة انتقل من حالة الهشاشة المزمنة إلى وضع منهج كامل من الفشل، ما نتج عنه عيش السكان في ظروف معيشية مأساوية بفعل شلل الأسواق وتدمير قوام الحياة، هذا الواقع دفع آلاف الأسر للبحث عن بدائل، حتى وإن كانت بسيطة أو غير مستقرة.

“نبيع لنعيش”.. مشروع طعام منزلي

في أحد أحياء غزة، تجلس أم محمد أمام موقد صغير، تعد وجبات منزلية وتبيعها للجيران، وتقول: “كنت أعتمد على راتب زوجي، لكن فقد عمله منذ بداية الحرب، والآن أطبخ في البيت وأبيع.. رغم أن الدخل قليل، إلا أنه يساعدنا على اجتياز محنة الجوع وطلب المساعدة من الآخرين.”

لا يتطلب مشروعها سوى أدوات بسيطة، لكنه يعكس واقعًا أوسع، حيث تحولت بعض المنازل وحتى الخيام إلى مطابخ صغيرة عاملة في ظل انهيار السوق الرسمي.

تضيف: “أطبخ للمناسبات والأفراح، كالمعجنات وبعض الأكلات الشعبية مثل السماقية وغيرها، أحرص على تلبية الطلبات للوجبات المنزلية، الأهم بالنسبة لي هو إيجاد ما يمكنني من الإنفاق على عائلتي دون الحاجة لطلب المساعدة.”

ورشة إعادة تدوير الركام

على ضفة أخرى، اختار الشاب أحمد (32 عامًا) مسارًا مختلفًا، حيث بدأ مشروعًا لإعادة تدوير الخشب والحديد من المباني المدمرة، ويقوم بإعادة تصنيعه وبيعه لتلبية احتياجاته. يقول: “الحياة أصبحت صعبة، وعلينا أن نبحث عن مصدر دخل، فبدأت أجمع ما يمكن استخدامه من الركام وأعيد تشكيله، أبيع قطع بسيطة مثل الطاولات أو الأبواب.”

رغم المخاطر المرتبطة بالعمل، إلا أنه يرى ذلك فرصة لتأمين لقمة العيش، فالناس بحسب حديثه، غير قادرين على شراء أثاث جديد، مما يجعلهم يقبلون على أي شيء بتكلفة أقل يقدمه.

يذكر أحمد: “لم يكن هذا هو عملي سابقًا، كنت أعمل في المقاولات، لكن الحرب جلبت البطالة، وأنفقنا مدخراتنا، واليوم يجب أن نكافح من أجل لقمة عيشنا يوميًا.”

مشاريع تصارع من أجل البقاء

هذه الأنماط من المشاريع تعكس تحول اقتصاد غزة نحو نمط من البقاء يقوم على إعادة الاستخدام والابتكار القسري. ومع تدهور القطاعات الإنتاجية، تراجع النشاط الصناعي بنسبة تصل إلى 94%، وأصبحت المشاريع الصغيرة تشكل العمود الفقري لاقتصاد غير رسمي يتوسع يومًا بعد يوم.

غير أن هذا الاقتصاد يواجه تحديات خطيرة من نقص التمويل والدعم، وصعوبة إدخال المواد الخام، وعدم استقرار السوق، وضعف القدرة الشرائية للسكان. ورغم جميع التحديات، تكشف هذه المشاريع عن قدرة استثنائية على التكيف، لكن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن هذه الحلول، رغم أهميتها، لن تعوض غياب الاقتصاد الحقيقي.

مع استمرار القيود وتراجع النشاط الاقتصادي، تبقى هذه المشاريع مجرد “مسكنات مؤقتة” في مواجهة أزمة عميقة، وفي نظر الكثيرين، لم تعد هذه المشاريع الفردية مجرد مبادرات، بل أصبحت وسيلة جماعية للبقاء، وبين الموائد المنزلية والبسطات في الأسواق، يكتب أبناء غزة يوميات من الصمود في اقتصاد يكاد يكون قد اختفى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى