أخبار الاقتصاد

دولة خليجية تتصدر العالم بإنتاج ثلث المادة الأساسية لصناعة المعدات الطبية والصواريخ والرقائق

خلال العقد الماضي، أقامت قطر نفسها كمركز رئيسي في إنتاج الهيليوم على مستوى العالم، حيث تسيطر على حوالي 35٪ من الإمدادات العالمية وفقًا للتقديرات السائدة في السوق. ولم يكن هذا التقدم عشوائيًا، بل جاء نتيجة استثمارات هائلة في منشآت “رأس لفان” التي تقع شمال شرق البلاد، حيث تعمل وحدات متخصصة لاستخلاص الهيليوم من معالجة الغاز الطبيعي المسال. الهيليوم المنتج ليس مجرد منتج ثانوي، بل هو عنصر حيوي في العديد من الصناعات الحساسة، والتي تتراوح من الطب إلى علوم الفضاء، ومن الإلكترونيات الدقيقة إلى الصناعات الدفاعية.

أسباب توقف الإنتاج

في مطلع مارس، قررت شركة “قطر للطاقة” وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال وعدد من المشتقات البتروكيماوية، بما في ذلك الهيليوم، إثر تعرض منشآت حيوية في رأس لفان و”مسيعيد” لتهديدات أمنية. وعلى الرغم من التهدئة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران، لم تصدر الشركة أي بيانات عن عودة الإنتاج الكامل، حيث لا تزال حالة القوة القاهرة قائمة، مما أدى إلى حالة من الترقب في الأسواق العالمية. هذا التوقف لم يكن مجرد إجراء روتيني، بل ترتب عليه نقص فوري في سلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد بشدة على الإنتاج القطري.

اتفاقيات طويلة الأمد مع شركة يونيبر

قبل الأزمة، قامت قطر بتعزيز مكانتها في السوق من خلال توقيع اتفاقيات طويلة الأجل لتوريد الهيليوم، ومنها اتفاقية مع شركة “يونيبر” الألمانية لتقديم كميات سنوية لمدة طويلة بدءًا من عام 2025، بالإضافة إلى عقد آخر مع شركة إير ليكيد العالمية لتوريد مئات الملايين من الأقدام المكعبة سنويًا. وعلى الرغم من أن هذه العقود لم تُلغ رسميًا، إلا أنها فقدت فعاليتها التشغيلية مع توقف الإنتاج، مما وضع الشركات المستوردة في موقف إعادة توزيع قسري لمصادرها على مستوى العالم.

أهمية الهيليوم

لا تقتصر أهمية الهيليوم على كونه غازًا نادرًا فحسب، بل تشمل أيضًا استخداماته المتعددة في مجالات دقيقة مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، وأنظمة التبريد فائق الانخفاض، وتصنيع الرقائق الإلكترونية، واختبار تسرب الأنابيب، وصناعة الألياف الضوئية، بالإضافة إلى تطبيقاته في قطاعات الفضاء والدفاع. أي تعطيل في إمدادات الهيليوم ليس فقط سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، بل سيؤثر بشكل مباشر على تشغيل قطاعات تعتمد عليه يوميًا، دون وجود بدائل عملية في المدى القصير.

ارتفاع أسعار الهيليوم في الأسواق

مع توقف الإمدادات من قطر، شهدت الأسواق العالمية تزايدًا حادًا في أسعار الهيليوم الفورية، حيث تضاعفت الأسعار في بعض المؤشرات منذ بداية التصعيد العسكري في المنطقة. الشركات المنتجة للغازات الصناعية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا بدأت بإعادة ترتيب أولويات التوزيع، مع إعطاء الأولوية للقطاع الطبي على حساب الصناعات الأخرى، مما يشير إلى دخول السوق في مرحلة ندرة فعلية لم تعد مجرد اضطراب مؤقت. كما زادت تكاليف التخزين والتأمين والنقل نتيجة سعي الشركات لتأمين كميات إضافية، مما زاد الضغط على منظومة الإمداد العالمية.

الصناعات المتأثرة بأزمة الهيليوم

تعتبر صناعة الرقائق الإلكترونية في شرق آسيا من أكثر القطاعات تأثرًا بالأزمة، نظرًا لاعتمادها الكبير على الهيليوم في عمليات التبريد والمعالجة الدقيقة. وتحتل كوريا الجنوبية مكانة بارزة بين الدول الأكثر حساسية لأي انقطاع، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الهيليوم من قطر، وأي نقص في هذه الإمدادات ينعكس مباشرة على وتيرة الإنتاج في مصانع التكنولوجيا المتقدمة، مما يهدد سلاسل التوريد العالمية للإلكترونيات.

امتداد أزمة الهيليوم عالميًا

يعتقد الخبراء أن الأزمة الحالية تتجاوز نطاق قطر لتشمل مناطق إنتاج وتصدير متعددة، حيث أن اضطراب تدفقات الطاقة بين الخليج وآسيا وأوروبا يعيد تشكيل موازين أمن الطاقة العالمي، خصوصًا مع تزايد الاعتماد على ممرات بحرية حساسة. هذا الوضع يجعل أي إشارة إلى عودة الإنتاج في قطر تُفسر كسابقة بأي تحول جيوسياسي بجانب الاقتصادي.

خسائر اقتصادية تتجاوز الهيليوم

التداعيات لا تقتصر فقط على الهيليوم، بل تشمل أيضًا منتجات بتروكيماوية أخرى مثل الميثانول واليوريا والبوليمرات والألمنيوم. استمرار حالة التوقف سيؤدي إلى زيادة تكاليف التشغيل المستقبلية وتأخير استئناف العقود طويلة الأجل، مع احتمال فقدان جزء من الحصة السوقية لصالح موردين بديلين. ورغم إمكانية استفادة قطر جزئيًا من ارتفاع الأسعار، تبقى هذه الفائدة غير مكتملة خاصة مع تضرر عنصر الثقة في الاستقرار التوريدي.

البنية التحتية واليد العاملة

تتطلب إعادة تشغيل المنشآت المتضررة في رأس لفان ومسيعيد استثمارات ضخمة ووقتًا قد يمتد بين عام إلى عام ونصف وفق التقديرات التشغيلية. كما تواجه السوق القطرية تحديًا إضافيًا يتمثل في ضرورة استقطاب العمالة الفنية المتخصصة التي غادرت البلاد خلال فترة التوتر، وهو عنصر حاسم لاستعادة القدرة الإنتاجية.

ارتفاع أسعار الهيليوم

تشير التوقعات إلى أن أسعار الهيليوم قد تبقى مرتفعة إذا استمر انقطاع الإمدادات لفترة طويلة، مع إمكانية زيادة إضافية في حال استمرار الضغط على الإمدادات العالمية. ومن المتوقع أن تبدأ قطر مرحلة تعافٍ تدريجي خلال النصف الثاني من عام 2026، شريطة استقرار الأوضاع الأمنية وإعادة تأهيل كامل للبنية الإنتاجية. هذه الأزمة تسلط الضوء على هشاشة سلاسل الإمداد العالمية في قطاع بالغ الحساسية، حيث تتحول مادة واحدة إلى عنصر رئيسي يعيد توزيع توازنات جميع الصناعات المعتمدة عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى