تصرفات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: هل هي خطة ذكية أم جنون مطلق؟

أعاد السلوك المتقلب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتصريحاته المثيرة للجدل في الآونة الأخيرة، إحياء النقاش حول ما إذا كان “ماكرًا كالثعلب” أم “مجنونًا ببساطة”، وهو الجدل الذي لاحقه طوال عقد من الزمن.
سلسلة من التصريحات المتقطعة، التي يصعب تتبعها وأحيانًا تكون بذيئة، أظهرت حجم الارتباك عند كثيرين، حيث وصل الأمر إلى تهديده بأن “حضارة كاملة ستموت الليلة” في إشارة إلى إيران، بالإضافة إلى هجومه الغريب على البابا، الذي وُصف بأنه “ضعيف في الجريمة، وسيئ في السياسة الخارجية”، مما جعل البعض يرى فيه حاكمًا مختلًا فاقدًا للسيطرة، وذلك حسبما أوردت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها.
اندفاعات الرئيس
أكدت الصحيفة الأمريكية أن البيت الأبيض رفض هذه التقييمات، مشيرة إلى أن ترامب يتمتع بحضور ذهني جيد ويبقي خصومه في حالة ارتباك، لكن اندفاعاته أثارت تساؤلات حول قيادة أمريكا في أوقات الحرب، فبينما شهدت البلاد رؤساء أُثيرت حولهم الشكوك من قبل، كان آخرهم جو بايدن، فإن الشك في استقرار الرئيس الحالي لم يكن مسبوقًا وعواقبه عميقة.
وفقًا لنيويورك تايمز، فقد دعا الديمقراطيون، الذين شككوا منذ زمن في أهلية ترامب النفسية، إلى تفعيل التعديل الخامس والعشرين لعزله بسبب عدم الأهلية، وبرز هذا القلق ليس فقط بين اليسار أو الكوميديين، بل أيضًا بين جنرالات متقاعدين ودبلوماسيين ومسؤولين أجانب، وحتى داخل صفوف اليمين، فالدعوات جاءت من أشخاص مثل النائبة السابقة مارجوري تايلور جرين، التي أفادت بأن التهديد بتدمير إيران “ليس خطابًا قويًا، بل جنون”.
كما اعتبرت المعلقة اليمينية كاندِس أوينز ترامب “مجنون إبادي”، بينما قال أليكس جونز، مؤسس موقع “إنفوارز”: “يثرثر ترامب، ويبدو أن دماغه لا يعمل بشكل جيد”.
اتزان ترامب
تأتي بعض التساؤلات حول اتزان ترامب من أشخاص عملوا معه سابقًا وأصبحوا فيما بعد من منتقديه، فتاي كوب، محامي البيت الأبيض خلال ولايته الأولى، قال إن الرئيس “رجل واضح الجنون”، واعتبر أن سلسلة منشوراته العدائية على وسائل التواصل “تسلط الضوء على مستوى جنونه”، ثم كتبت ستيفاني جريشام، المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض، عبر الإنترنت: “من الواضح أنه ليس بخير”.
رد ترامب بمنشور غاضب على وسائل التواصل الاجتماعي لم يعكس هدوءًا أو استقرارًا، فكتب عن أوينز وجونز وميجين كيلي وتاكر كارلسون: “لديهم شيء واحد مشترك، معدل ذكاء منخفض”، وأضاف: “إنهم أشخاص أغبياء، وعائلاتهم تعرف ذلك”. ووجه الاتهام بالجنون إليهم بقوله: “إنهم مختلون ومثيرو مشاكل، وسيقولون أي شيء من أجل دعاية مجانية ورخيصة”.
تفعيل تعديل المادة 25
على الرغم من الانقسام القائم، لم يتجاوز هذا الانقسام داخل اليمين إلى الكونغرس، حيث لا يزال الجمهوريون موالين للرئيس علنًا، ولا إلى الحكومة، التي يجب أن توافق على تفعيل التعديل 25، مما يجعل هذه الفكرة غير واقعية، لكنها تعكس قلقًا متزايدًا بين الأمريكيين الذين أظهرت استطلاعات حديثة أنهم بدأوا يشككون في أهلية ترامب، الذي يبلغ من العمر 80 عامًا.
استطلاع لرويترز/إبسوس في فبراير أظهر أن 61% من الأمريكيين يعتقدون أن ترامب أصبح أكثر تقلبًا مع التقدم في العمر، بينما رأى 45% فقط أنه “حاد الذهن وقادر على مواجهة التحديات”، بانخفاض من 54% في 2023، واعتبر 49% كبيرًا في السن لتولي الرئاسة في استطلاع أجرته YouGov في سبتمبر، ارتفاعًا من 34% في فبراير 2024، بينما قال 39% إنه ليس كبيرًا في السن.
صعّد الديمقراطيون لهجتهم في الأيام الأخيرة، فحسب السيناتور تشاك شومر، فإن ترامب “شخص مريض للغاية”، بينما وصفه النائب حكيم جيفريز بأنه “منفلت وخارج السيطرة”.
المدافعون والمنتقدون للرئيس
في المقابل، رفض المدافعون عن الرئيس هذه الانتقادات، فعلى الرغم من أن منتقديه يرون أنه يعاني من اضطراب نفسي، إلا أنهم يرون أنه يتبع استراتيجية مدروسة.
كتبت ليز بيك، وهي كاتبة عمود في “ذا هيل” ومساهمة في فوكس نيوز: “ترامب يعرف تمامًا ما يفعله”، مضيفة أنه سيواصل استخدام “الضغط العسكري والدبلوماسي الأقصى (وأحيانًا الصادم)” ضمن حملته لإنهاء ما وصفته بحملة الإرهاب الإيرانية المستمرة منذ نحو 50 عامًا في الشرق الأوسط.
رفض ترامب الانتقادات حين سُئل عنها الأسبوع الماضي، فقال: “لم أسمع بذلك، لكن إذا كان هذا هو الحال، فستحتاجون إلى المزيد من الأشخاص مثلي، لأن بلدنا كان يُستغل في التجارة وفي كل شيء لسنوات طويلة قبل أن أتى أنا”.
إثارة الشكوك حول حالة ترامب العقلية
لم تكن هذه المرة الأولى التي تُثار فيها الشكوك حول الحالة العقلية لرؤساء أمريكيين، فقد اتُهم جون آدمز وآندرو جاكسون واثنان من عائلة روزفلت بعدم الاتزان من قبل خصومهم السياسيين، وعانى أبراهام لينكولن من الاكتئاب، ولم يعد وودرو ويلسون كما كان بعد إصابته بجلطة، وكان ليندون بي. جونسون يتأرجح بين نشاط مفرط ونوبات من الكآبة، بينما بدا أن رونالد ريجان تراجع في أواخر ولايته، وتساءل البعض عما إذا كان مرض ألزهايمر قد بدأ يؤثر عليه.
نظرية الرجل المجنون
قارن بعض أنصار ترامب بينه وبين ريتشارد نيكسون، الذي طرح ما سُمي بـ”نظرية الرجل المجنون”، عندما طلب من مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر إبلاغ المفاوضين بأنه غير مستقر ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته، بهدف تحقيق اتفاق أفضل، غير أن بعض مساعدي نيكسون لم يعتقدوا أن الأمر مجرد تمثيل.
حاول ترامب أحيانًا استغلال هذه السمعة، فقال لنيكي هايلي، سفيرته لدى الأمم المتحدة: “اجعلوهم يعتقدون أنني مجنون”، كما قال لوزير العدل آنذاك وليام بار: “هل تعرف ما سر التغريدة الجيدة؟ القدر المناسب من الجنون”.
لكن ترامب قال لصحيفة “نيويورك بوست” الأسبوع الماضي إنه هذه المرة، على الأقل، لم يكن يتظاهر، حيث قال عن تهديده بتدمير إيران: “كنت مستعدًا لفعل ذلك”.
التركيز العام على حالته
يتجاوز التركيز العام على الحالة الذهنية لترامب ما حدث مع أي رئيس سابق تقريبًا، إذ يقول المؤرخ جوليان زيلتسر من جامعة برينستون: “باستثناء نيكسون، لم يكن هناك هذا المستوى من القلق على مر الزمن”.
وأضاف أن الوضع الحالي يتجاوز كل ما حدث في سبعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن “الكثير من هذا يحدث علنًا”، خاصة في ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون، وأشار إلى أن ترامب، بصفته رئيسًا يتجاهل القيود التقليدية، يشعر بحرية أكبر في التعبير عن غضبه والتصرف بالتلقائية.
سلوكيات في ولايته الثانية
في ولايته الثانية، يبدو ترامب أقل ضبطًا وأكثر تشتتًا أحيانًا، حيث يستخدم لغة أكثر حدة ويتحدث لفترات أطول، وأحيانًا يدلي بتصريحات قائمة على الخيال بدلًا من الواقع، مثل تكراره أن والده وُلد في ألمانيا رغم أنه وُلد في برونكس، بالإضافة إلى تقديم قصة مختلقة عن عمه الذي قال إنه درّس “يونابومبر”.
كما ينحرف إلى مواضيع غريبة، مثل حديثه عن ثعابين سامة في بيرو خلال أحد حفلات عيد الميلاد، أو استطراد حول أقلام “شاربي” خلال اجتماع حكومي، أو مقاطعة تحديث حول الحرب مع إيران للحديث عن ستائر البيت الأبيض، ويبدو أنه خلط بين جرينلاند وآيسلندا، وادعى إنهاء حرب لم تحدث بين كمبوديا وأرمينيا.
أيضًا، نشر صورة لنفسه على هيئة شبيهة بالمسيح قبل حذفها، وهاجم منتقديه بشدة، متهمًا بعضهم بالخيانة، وذكر أن بعضهم يستحق عقوبة الإعدام، وعندما توفي روبرت مولر، قال: “جيد، أنا سعيد بموته”.



