انطلاق ثروة جديدة من المنتجات الصينية تعيد تشكيل أسواق العالم

عند دخولك إلى غالبية مراكز التسوق في سنغافورة، يُرجح أنك ستجد طوابير طويلة أمام متاجر تمتاز بأسماء جذابة وعلامات تجارية زاهية، إذ تجذب العلامات التجارية الصينية مثل تشاجي، ومولي تي، وميكسو، حشوداً غفيرة، ليس فقط في آسيا، بل بشكل متزايد أيضاً في مدن تمتد من سيدني إلى لندن ولوس أنجلوس.
مصنع العالم
لطالما كانت الصين ورشة العمل العالمية، حيث تُنتج السلع لشركات غربية، وخلال ذلك اكتسب الموردون خبرة ليس فقط في تصنيع السلع، بل أيضاً في تسويقها، وتوزيعها، وبيعها على نطاق واسع، وتستفيد شركات مثل مينيسو من هذه الخبرة، فهي تدير متاجر في أكثر من نصف دول العالم، حيث يقول فينسنت هوانغ، المدير العام للأسواق الخارجية: “لا يهتم المستهلكون بمصدر العلامة التجارية، بل يركزون على تجربة التسوق – التصاميم، والقيمة مقابل المال، والمتعة”؛ وتعد اتفاقيات الترخيص وسرعة وصول المنتجات من المصنع إلى الرفوف عناصر رئيسية في نموذج أعمالها.
إلى جانب السلع الاستهلاكية، تستغل شركة بي واي دي الفرصة لتكون أكبر مصنّع للسيارات الكهربائية في العالم، حيث تعتمد على السوق الصينية الضخمة لتوسيع نطاق أعمالها، بالإضافة إلى تطوير أنظمة شحن فائقة السرعة تُزيد من مدى السيارات بسرعة، جاعلةً من نفسها لاعبًا رئيسيًا في صناعة السيارات الكهربائية، مع وجود دعم حكومي يعزز النمو، ومخاوف من أن هذا الدعم يمنح الشركات الصينية ميزة غير عادلة، بينما تؤكد بكين أنها تعكس قوة الابتكار الصناعية.
جنوب شرق آسيا كمنصة انطلاق
تستخدم العديد من الشركات الصينية جنوب شرق آسيا كمنطقة اختبار قبل دخول الأسواق الغربية، إذ توفر المنطقة أكثر من 650 مليون مستهلك شاب ذوي دخل متنامٍ، مما يدعو الشركات للحفاظ على معايير عالية في منافستها مع العلامات التجارية الغربية، فعلى سبيل المثال، افتتحت سلسلة مطاعم هايديلاو أول فرع لها خارج الصين في سنغافورة عام 2012، حيث تُعتبر اليوم أكبر سلسلة مطاعم متخصصة في طبق الهوت بوت في العالم.
تسعى السلسلة الآن للحصول على شهادة الحلال في إندونيسيا وماليزيا، مما سيفتح لها أسواقًا جديدة في الدول ذات الأغلبية المسلمة، وتحقق علامات تجارية أخرى نموًا سريعًا، فمتجر ميكسو للآيس كريم وشاي الفقاعات يدير فروعًا عالمية أكثر من ماكدونالدز أو ستاربكس، في حين تخطط أكثر من 70% من الشركات الصينية العاملة في جنوب شرق آسيا لمزيد من التوسع، هذا بالإضافة إلى كون المنطقة تعد من أسرع أسواق الهواتف الذكية نموًا.
حروب الأسعار
يشهد التوسع الخارجي، المعروف بـ “تشوهَاي – chuhai”، ضغوطًا داخلية بسبب تباطؤ الاقتصاد، وشدة المنافسة، وتراجع معدل المواليد، مما يضغط على نمط الإنفاق والنمو، حيث انخفضت حصة ستاربكس في السوق الصينية بشكل كبير، بينما حققت سلسلة لوكين كوفي المحلية نجاحًا يفوق الأربعة أضعاف عدد المتاجر، مع نموذج يعتمد على الهواتف المحمولة لتقليل التكاليف وتسريع الخدمة.
رغم فضيحة محاسبية في عام 2020، استمرت لوكين في التوسع داخل الصين وخارجها، بينما قامت ستاربكس ببيع حصة أغلبية في عملياتها في الصين، وتتحول التصورات حول الشركات الصينية من كونها تنتج سلع رخيصة إلى منتجات مبتكرة ذات تصميم مميز.
التحدي الذي يواجه القوة الناعمة الصينية
ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة، مثل الرسوم الجمركية، والتدقيق السياسي، ومخاوف أمن البيانات التي تُعقّد التوسع، كما هو الحال في هيئات مثل هواوي وتيك توك، ولا يزال هناك تساؤلات حول قدرة العلامات التجارية سريعة النمو مثل شي إن وتيمو على الحفاظ على زخمها في الأسواق الغربية، لكن الاتجاه واضح، حيث لم تعد الشركات الصينية تُعرَّف بالأسعار المنخفضة، بل تُبدع وتواكب توجهات المستهلكين، فتُبني علامات تجارية، وتتكيف مع الأسواق المحلية، وتتنافس بقوة، بل وتتفوق أحيانًا على الشركات العالمية الرائدة.
ساهم في إعداد التقرير جالتسون أكانات تشومار


