أكثر من 50% من أسر اليمن تعاني من الجوع رغم تراجع الأسعار… ما السبب وراء معاناة الملايين رغم تحسن المؤشرات الاقتصادية؟

أكثر من نصف الأسر اليمنية تواجه صعوبة في تأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية، على الرغم من انخفاض تكاليف السلة الغذائية في الأسواق خلال الأشهر الأخيرة، وهذا التناقض يعكس واقعا مقلقا، حيث أن اليمن يعيش أعلى مستويات تاريخية من ضعف الاستهلاك الغذائي، بينما تشير المؤشرات الاقتصادية إلى تحسن سطحي يخفي كارثة إنسانية تهدد الجميع.

وفقاً لتقرير برنامج الأغذية العالمي الذي اطلعت عليه “بقش”، فإن المشكلة تتشابك ضمن ثلاث حلقات مترابطة تؤدي إلى أزمة مجاعة: انهيار الاقتصاد المحلي نتيجة الأزمات النقدية وندرة الوقود، اختناقات في سلاسل الإمداد في الموانئ، بالإضافة إلى أسر مدمرة تلجأ لتقليص الوجبات واعتماد استراتيجيات البقاء القاسية.

قد يعجبك أيضا :

لم تعد الأرقام الاقتصادية كافية لقياس الواقع المأساوي، إذ يتزامن التحسن النسبي في تكاليف الغذاء مع انهيار مدمر للقدرة الشرائية ورفض برامج الدعم، مما يحول المؤشرات الإيجابية إلى أرقام منفصلة عن واقع الجوع في الأسر اليمنية.

تمويل يختفي… ومساعدات تتبخر

قد يعجبك أيضا :

شهد تمويل خطة الاحتياجات الإنسانية لعام 2025 انخفاضاً حاداً مقارنة بالعام السابق، مما دفع المنظمات إلى تقليص نطاق العمل والتحول إلى استهداف محدود، اعتباراً من بداية 2026، ستفقد شريحة واسعة من اليمنيين شبكة الأمان الغذائي نهائياً نتيجة تقليص عدد المستفيدين القسري.

الاختلاف الواضح بين المناطق يتجلى بشكل مؤلم: بينما تم تنفيذ عدة دورات مساعدة غذائية في مناطق حكومة عدن خلال 2025 مستهدفة ملايين الأشخاص، توقفت الأنشطة الإنسانية تقريباً كلياً في مناطق حكومة صنعاء منذ نهاية أغسطس بعد تنفيذ دورتي مساعدات فقط طوال العام.

قد يعجبك أيضا :

وفقاً لمتابعات “بقش”، فإن الأزمة لم تتوقف عند حد التمويل بل امتدت إلى استحالة العمل، نتيجة غياب المساحة التشغيلية للوصول إلى المحتاجين، مما يجعل فجوة الجوع مرشحة للتفاقم حتى مع أي تحسن اقتصادي محتمل.

خدعة الأرقام: استقرار مؤقت يخفي هشاشة مدمرة

قد يعجبك أيضا :

في مناطق حكومة عدن، سجلت تكلفة السلة الغذائية الدنيا استقراراً نسبياً خلال نوفمبر 2025، مع ارتفاع طفيف مقارنة بالشهر السابق، لكن هذا التحسن المضلل لا يعكس تحسناً حقيقياً في حياة الناس، إذ أن تراجع الأسعار بالعملة المحلية لم يكن متزامناً مع تحسن سعر الصرف، كما أظهرت التكلفة بالدولار اتجاهاً معاكساً كلياً.

حسب تحليل “بقش”، يرتبط جزء من هذا التحسن بعوامل ظرفية مؤقتة مثل تحسن قيمة الريال وضغط تكاليف النقل، وليس بسبب إصلاحات هيكلية حقيقية في السوق، وبالتالي، فإن تفسير الأسعار بمعزل عن انهيار الدخل وارتفاع نسبة البطالة ونقص المساعدات يعكس استنتاجات مضللة.

اختناقات البحر الأحمر: شرايين مقطوعة

على الرغم من انخفاض علاوات مخاطر الحرب في البحر الأحمر بعد وقف إطلاق النار الإقليمي، لم تعد حركة السفن إلى وضعها الطبيعي ولا تزال أقل بكثير من المستويات ما قبل الأزمة، كما انخفضت واردات الوقود عبر موانئ البحر الأحمر بشكل كبير، وتراجعت الكميات التراكمية في 2025 مقارنة بالعام السابق.

هذه الوضاع المؤلمة توضح أن تخفيض المخاطر التأمينية وحده لا يكفي لاستعادة تدفق التجارة، حيث لا تزال اختلالات الثقة البحرية عاملاً مدمراً يعيق الأمن الغذائي، أما موانئ عدن والمكلا فقد شهدت زيادة في واردات الغذاء، مما يعكس تحولاً جزئياً في مسارات الاستيراد مع أعباء لوجستية إضافية.

ذروة تاريخية من المعاناة

توفر المؤشرات التي تتابعها “بقش” دليلاً على وصول اليمن خلال 2025 إلى أعلى مستويات ضعيفة من استهلاك الغذاء عالمياً، في حين تُصنف البلاد من الأكثر تأثراً بانعدام الأمن الغذائي، حيث يبقى النازحون داخلياً والأسر التي تقودها نساء الأكثر هشاشة نتيجة لتداخل عوامل الفقر وارتفاع معدلات النزوح وضعف فرص العمل.

الاستنتاج المرعب هو أن السعر لم يعد يروي القصة كاملة للمأساة، حتى مع انخفاض تكلفة السلة الغذائية، تبقى القدرة الشرائية محدودة مع استمرار تراجع الدخل والدعم، فالأمن الغذائي في اليمن يمثل معادلة معقدة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والتمويل والوصول الإنساني، وأي تحسن جزئي يبقى هشاً وقابلاً للانهيار ما لم تُعالَج جذور الأزمة بشكل شامل ومتزامن.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *