أرباح أسمنت السعودية: إعلان توزيع ريال واحد لكل سهم للنصف الثاني من 2025
تجد آسيا نفسها عالقة بين سوق طاقة يثقل كاهلها بارتفاع أسعاره، وسلاسل إمداد قد تستغرق أسابيع طويلة قبل أن تستعيد عافيتها، حتى في أفضل السيناريوهات.
المفاوضات المستقبلية والتحديات المرتقبة
لا تزال المفاوضات جارية، وإن كانت لا تتم بشكل مباشر في إسلام آباد، وما ينتظر المرحلة التالية مسار معقد ومتقلب قائم على التصعيد السياسي والمناورة الدبلوماسية، والنظريات المتعلقة بـ “لعبة التوازن” بين الأطراف، حتى تضطر إحدى هذه الأطراف إلى الانسحاب، ومن المتوقع أن تكون هذه العملية فوضوية، وقد تؤدي إلى آثار جسيمة على اقتصادات منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
تداعيات تعليق الشحنات
حتى في حال عودة تدريجية لمرور الشحنات عبر مضيق هرمز، فإن الشحنات الجديدة ستحتاج من 3 إلى 6 أسابيع للوصول إلى الموانئ الآسيوية، بينما لا تزال شبكات نقل النفط الخام في المنطقة، المشيدة أساسًا للتعامل مع خامات الخليج، معطلة فعليًا، بالمقابل، يعد نفط المحيط الأطلسي غير مجدٍ اقتصاديًا، بينما تراجعت إمدادات نفط الخليج بشكل كبير.
أهمية الهدنة المحدودة
لذا، فإن أي هدنة تمتد لأسبوعين لن تؤدي إلى تصحيح هذه الاختلالات، حيث ستكون التداعيات على وقود الديزل، والبنزين، وغاز البترول المسال (LPG)، والنفتا عميقة وواسعة.
سيناريو الأزمة الحادة
في أسوأ الحالات — في حال تجدد الصراع وإغلاق مضيق هرمز فعليًا لمدة ستة أشهر، مع ارتفاع سعر خام برنت إلى 200 دولار للبرميل — ستواجه آسيا أزمة من نوع مختلف تمامًا، وغالبًا ما يشبه هذا السيناريو بأزمة عام 1997 المالية الآسيوية، التي نشأت عن اختلالات العملة وضعف الاحتياطيات، وعدم جاهزية السياسات الاقتصادية للتعامل مع الصدمات الخارجية الكبيرة، وعلى الرغم من قوة العديد من اقتصادات آسيا اليوم، غير أن المخاطر لا تزال قائمة.
الضغوط الاقتصادية الناجمة عن صدمة الطاقة
فصدمة طاقة ممتدة من هذا القبيل ستضغط على الموازنات العامة للدول وتوسع العجز في الحسابات الجارية، كما ستزيد الضغوط على العملات، خاصة في الاقتصادات الآسيوية الناشئة المستوردة للطاقة والتي تعاني من ديون مرتفعة واحتياطيات محدودة، وقد تضطر الدول الآسيوية للعودة إلى أدوات إدارة الأزمات التي تم استخدامها في جائحة كورونا: تقليص الطلب، واستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، وأنظمة الترشيد، وتسريع التحول بين أنواع الوقود، لكن هذه الإجراءات ليست سهلة من الناحية السياسية، وتحمل آثار اجتماعية واقتصادية صعبة.
تأمين مصادر الطاقة واستمرار الإمدادات
شهدت أسعار الغاز الطبيعي المسال (LNG) المتجهة إلى آسيا انخفاضًا نسبيًا مع الهدنة، لكن في حال تجدد النزاع، فإن الأسعار التي قد تتجاوز 20 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu) تصبح احتمالًا قائمًا، مما قد يدفع المنطقة للعودة عن تحولها السابق من الفحم إلى الغاز، والعودة ثانية من الغاز إلى الفحم، وهو ما يثير سؤالين رئيسيين أمام صناع القرار:
- أي أسواق آسيا والمحيط الهادئ قادرة على التحول فعليًا بين الفحم والغاز؟.
- هل ستؤدي إعادة تقييم الغاز الطبيعي المسال كمصدر غير مستقر جيوسياسيًا إلى تسريع الابتعاد عنه رغم الالتزامات المناخية؟.
إدارة الأزمة نحو الإصلاح الهيكلي
رغم أن التعامل مع صدمة أزمة إيران سيتطلب من صناع القرار اتخاذ إجراءات صعبة على المدى القصير، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في تحويل هذه الضغوط إلى إصلاحات طويلة الأمد تعزز من أمن الطاقة، ويشمل ذلك تعزيز تنوع مصادر الطاقة، وتطوير الإنتاج المحلي، وزيادة مرونة الطلب، مع تجنب السياسات الانتقامية بين الدول.
نماذج دولية ناجحة
ثلاث تجارب دولية تقدم نماذج مهمة:
- البرازيل: طورت إطارًا شاملًا للوقود الحيوي عبر سياسات مزج الإنتاج والحوافز الاستثمارية، مما خفّض اعتمادها على النفط المستورد وخلق ميزة تنافسية مستدامة.
- الصين: تبنت استراتيجية واسعة لتحقيق الاكتفاء النسبي في الطاقة من خلال استثمارات كبيرة في الفحم والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة النووية، إلى جانب تطوير السيارات الكهربائية وإدارة الاحتياطيات الاستراتيجية، مما قلل اعتمادها النسبي على الواردات.
- النرويج: نجحت في تحويل عائدات النفط والغاز إلى صندوق سيادي ضخم يدعم الاستقرار المالي، مع نظام كهرباء محلي يعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة الكهرومائية، مما يقلل تعرضها لصدمات أسعار الوقود الأحفوري.
البراغماتية كخيار مستقبلي
القاسم المشترك بين هذه النماذج هو أن أمن الطاقة لم يتحقق بالصدفة، بل من خلال سياسات طويلة الأمد واستثمارات صبورة ورؤية استراتيجية تتقبل التكاليف قصيرة الأجل، وتواجه الحكومات الآسيوية اليوم لحظة حاسمة، حيث إن الاعتماد على الطاقة المستوردة، إلى جانب ضعف الموازنات واحتياطيات العملات، يخلق هشاشة يصعب مواجهتها بالحلول الدبلوماسية فقط.
ونجد أن الرد المناسب لا يكمن فقط في إدارة الأزمة الحالية، بل في بناء بنية تحتية أكثر مرونة، وتطوير مرونة الطلب، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وزيادة التكامل بين أسواق الطاقة الآسيوية، وتظل نافذة التحرك مفتوحة خلال فترات الأزمات، ولكن الاستفادة منها تتطلب قرارات سريعة وجذرية، والدول التي تتجه الآن نحو تعزيز أمن الطاقة ستدخل الأزمة المقبلة من موقع أقوى وأكثر استقرارًا.