أخبار الاقتصاد

خلف الكواليس: ماذا سيحدث بين إيران وأمريكا في إسلام آباد؟

منذ انهيار جولة الثاني عشر من أبريل، لم تعقد واشنطن وطهران لقاء مباشر، فتخلى الطرفان عن طاولة إسلام آباد، ما ترك فجوة عميقة من الخلافات وشروط متضاربة، قبل أن يشهد الشرق الأوسط تحولات دراماتيكية، تتجلى في هدنة لبنان.

على السطح، يبدو أن هذا التطور الميداني استجابة أمريكية-إسرائيلية لشرط إيراني رئيسي، وتنازلاً تكتيكياً يهدف لضمان عودة طهران إلى طاولة المفاوضات المرتقبة، وسارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاحتفاء بهذه الهدنة من خلال تصريحات متواصلة، معتبراً إياها حجر الزاوية لسلام إقليمي شامل، بينما تظهر تصرفات المفاوضين الإيرانيين هدوءاً دبلوماسياً يشي بمرونة حذرة.

لكن هذه الصورة الهادئة التي تمهد لعودة مصيرية إلى إسلام آباد، تقابلها تحركات استراتيجية مريبة في مياه الخليج العربي وأروقة البنتاجون، وبينما تتأرجح الأوضاع بين “حمائم الدبلوماسية” و”هدير البوارج”، يتبادر إلى الأذهان سؤال استراتيجي: هل تمثل محادثات إسلام آباد فرصة حقيقية لتفكيك شيفرة الصراع ووقف آلة الحرب، أم أنها مجرد استراحة وإعادة تموضع قبل الانزلاق الأخير؟

كيف دفع الليطاني ثمن الوصول إلى مفاوضات إسلام آباد؟

لا يمكن فهم المشهد التفاوضي دون النظر إلى الأحداث في الجنوب اللبناني، حيث تُرسم المعطيات تمهيداً لطرحها خلال المفاوضات.

في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تتعهد بالتهدئة، تجنبت الضغط الحقيقي على إسرائيل لوقف إطلاق النار الفوري، ما منحها تفويضاً مجانياً لتنفيذ عملية خنق جغرافي، ورفع الجيش الإسرائيلي من عمليات القصف، ودمّر الجسور والمعابر الحيوية فوق نهر الليطاني، معزلاً مئات الآلاف من المدنيين قبل بدء سريانه الهدنة، ورفضت تل أبيب إعادة السكان إلى جنوب الليطاني رغم سريان وقف إطلاق النار، ما يعكس تثبيت الانتصار الجغرافي.

كما أن ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقاريرها، يكشف أن الضربات الإسرائيلية استهدفت شرعياً المعابر الأساسية لقطع شرايين الحياة عن الجنوب اللبناني، مما أسفر عن مقتل المئات وتهجير السكان.

تتفق هذه التصرفات مع تحليل مركز كارنيجي للسلام الدولي، الذي يوضح أن الهدف الإسرائيلي لم يعد مجرد إبعاد مقاتلي حزب الله، بل يمتد إلى “هندسة ديموغرافية” طويلة الأمد تضمن منطقة حدودية خالية من أي كثافة سكانية تدعم المقاومة.

هذا ما منحته واشنطن لتل أبيب مقابل قبولها بالهدنة في لبنان، داخل إطار منع أي تعطيل إيراني مبرر لمسار التفاوض في إسلام آباد.

واشنطن في إسلام آباد.. ماذا يحدث داخل مصانعها؟

إذا كانت الجبهة اللبنانية تمثل نقطة انطلاق التكتيك التفاوضي، فإن كواليس العاصمة الأمريكية تكشف الوجه الحقيقي لاستراتيجية واشنطن.

تقوم الإدارة الأمريكية بتسريب أنباء إيجابية متوالية حول قرب التوصل إلى اتفاق يضمن الإفراج عن 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية مقابل تجميد التخصيب، ما يعكس مسعى واضح لتخفيف الضغوط عن الرأي العام العالمي وتهدئة الأسواق.

لكن لغة الميدان تتحدث عن وقائع مغايرة، فقد كشفت تسريبات وكالة رويترز ووسائل الإعلام الغربية عن أوامر إسرائيلية مدعومة لوجستياً من أمريكا لتسريع عمليات هدم المنازل اللبنانية، ما يعكس نية للبقاء في الصراع العسكري بعد انتهاء المهلة الدبلوماسية.

في تفكيكه لهذه التناقضات بين السياسة وصوت السلاح، يعتبر د. مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، أن الصورة الأشمل تفوق ما يرد في الأخبار العاجلة حالياً، ويرى أن الولايات المتحدة تتحضر لشيء آخر غير السلام.

هل دُقت ساعة الصفر؟

يفصح عفيفي، في تصريحاته لمصراوي، أن واشنطن – رغم إعلان السلام القريب – تقوم بحشد معدات عسكرية ضخمة، وقد صار الأمر علنياً بعد تصريحات ترامب باستمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

ويضيف عفيفي أن خطورة هذا الحشد تتجاوز الأرقام، حيث تتجنب القوات المرور عبر البحر الأحمر، معتمدة على مسار جديد عبر رأس الرجاء الصالح نحو الخليج، بالتزامن مع سحب بطاريات دفاع جوي من أوروبا وآسيا لتقوية التواجد في الشرق الأوسط.

هذا الاستنفار عبر القارات ينعكس بقوة داخل أمريكا، موضحاً تحولاً نحو “اقتصاد الحرب”، حيث هناك مصانع مدنية تم الاستفادة منها بشكل كامل لتلبية احتياجات الحرب، ضمن حالة تعبئة استثنائية تشبه مراحل الحروب الكبرى.

يعتقد عفيفي أن هذا التوجه ناتج عن ضغوط اللوبي الصهيوني، الذي يرى أن اللحظة الحالية فرصة لتدمير القدرات الإيرانية، وقد تُرجم نفوذه مؤخراً بإفشال تصويت لسحب صلاحيات الحرب من ترامب، مما يوضح رغبة المؤسسة العميقة في إبقاء التوتر مستمراً تحت غطاء السلام.

طهران في إسلام آباد.. تشتري الوقت أم تنقذ اقتصادها؟

في خضم الضغط الأمريكي المزدوج، تدير القيادة السياسية في طهران معركتها بدرجات عالية من البراجماتية، إذ إنها تواجه ضغوطًا اقتصادية رهيبة تلوح في الأفق، مما يدفعها لاستخدام مفاوضات إسلام آباد كوسيلة لتأمين شريان حياة مالي طارئ.

وقد أكدت تقارير صحفية أن المناقشات تركز على المعادلة “المليارات مقابل اليورانيوم”، حيث تسعى طهران للاستفادة من ورقة التخصيب النووي كوسيلة للمقايضة التجارية تتيح تدفق سيولة نقدية فورية، والهدف الاستراتيجي من هذه الخطوة هو كسب الوقت لإعادة بناء بنيتها التحتية المتضررة، بعيدًا عن أي سيناريو استسلام مجاني.

وفقاً لد. مصدّق بور، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية، فإن الاستراتيجية الإيرانية معقدة، وتقلل من أهمية التصريحات الأمريكية المتفائلة حول استسلام إيران، واصفاً تغريدات ترامب بأنها “علاج كلامي” لإشباع طموحاته الشخصية وخداع جمهوره بأنه الفائز.

مفاوضات إسلام آباد.. سر التجميد وفجوة المليارات

ويكشف الباحث الإيراني – القريب من النظام – السر وراء قبول طهران المؤقت بتجميد اليورانيوم، مشيراً إلى أن المواقع النووية تحتاج إلى وقت لإعادة بنيتها التحتية قبل أن تتمكن من استئناف التخصيب بكفاءة، مما يجعل هذا التجميد قراراً اضطرارياً وليس تنازلاً مستديماً.

ولا تقف عقدة التفاوض عند التخصيب وحده، بل تمتد إلى تفاصيل مالية قد تُنسف المحادثات، حيث تؤكد طهران على حاجتها لـ 27 مليار دولار كدفعة أولى من أصولها المجمدة، بينما تقدّم واشنطن عرضاً بـ 20 مليار دولار فقط، ما يعكس جوهر المعركة.

إيران تربط أي استجابة للخطط الأمريكية بضخ أموال نقدية تُساعد في تهدئة الأسواق المحلية ورفع الحظر لضمان بقاء هيكل الدولة أمام عقوبات متراكمة.

كيف تُربك “أوراق الضغط الإيرانية” حسابات البنتاجون؟

بجانب ملف اليورانيوم، تلعب طهران بمهارة ورقة الممرات المائية كوسيلة ضغط قصوى لإجبار الإدارة الأمريكية على التفاوض الجاد.

كما استشعر الاقتصاد العالمي بخطر الانهيار الشامل نتيجة التهديدات بإغلاق مضيق هرمز، مستنداً إلى تقرير صحيفة “الجارديان” حول “إنذار الثماني والأربعين ساعة”، إذ هدد ترامب بتدمير محطات الطاقة الإيرانية، وجاء الرد الإيراني بربط أمن الطاقة العالمي بوقف العمليات الإسرائيلية.

يوضح مصدق بور أن طهران وضعت شرطين أساسيين لفتح المضيق، أولها وقف الحرب في لبنان، مشيراً إلى أن تراجع إسرائيل وضغط واشنطن كان استجابة مباشرة لهذه المطالب، مما دفع إيران لفتح المضيق لوقت محدد كـ “بادرة حسن نية”.

لكن هذا النمط لم يدم طويلاً، ففي تصعيد دراماتيكي، أعلن مقر “خاتم الأنبياء” الإيراني إعادة إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، ردًا على إعلان ترامب باستمرار الحصار البحري.

تظهر هذه المناورة كرسالة تحدّ إيجابية لواشنطن، لتأكيد أن شريان الطاقة العالمي سيظل رهينة لرفع الحصار عن موانئها، وينفي الباحث الإيراني بشدة أي انسحاب من دعم حلفائها، مؤكداً تمسك طهران بمبدأ “وحدة الساحات” والقدرات الصاروخية الاستراتيجية، حيث إن مقاومة الاحتلال والظلم هي رد فعل طبيعي.

في الوقت نفسه، تسعى واشنطن لاستغلال أي تنازلات مرحلية لأغراض خطيرة وطويلة الأمد، وتعتبر الهدنة فرصة لتفكيك التحالفات الإيرانية بعد استنزافها عسكرياً، ويؤكد مهدي عفيفي أن الولايات المتحدة لا تزال تفرض حصاراً صارماً يمنع أي تدفق للسفن نحو إيران، وتسعى لتحقيق احتكار كامل لعملية التخصيب.

بينما تستمر المفاوضات، إلا أن الخلافات حول التخصيب تمتد على مدى عشرين عامًا، مقابل عرض إيراني بخمس سنوات فقط، مما يبقي الأمور في حالة عدم استقرار قابل للانفجار في أي لحظة.

رصاصة أسفل طاولة إسلام آباد.. ماذا وراء الستار الدخاني؟

الشرق الأوسط الآن يقف على حافة هاوية حقيقية، ممزق بين وعود دبلوماسية وحقائق ميدانية قاسية، وفي إسلام آباد، يجلس كلا الطرفين حول طاولة مفاوضات محاطة بترسانة حربية وأزمات اقتصادية خانقة، في مشهد يشبه “لعبة روليت روسية” أكثر منه حواراً سياسياً حقيقياً.

تظهر الإدارة الأمريكية استراتيجيتها من خلال فرض العقوبات وتهديدها بأسطولها البحري لإجبار طهران على الاستسلام النووي وتقليم أظافر نفوذها الإقليمي، بينما تتخذ القيادة الإيرانية من استراتيجية “الصبر والمناورة” سبيلاً، مستخدمةً ورقة التخصيب ومضيق هرمز كدروع استراتيجية لحماية مصالحها.

هذا التصادم بين الإرادات يؤكد أن أزمة المفاوضات قد تجاوزت مجرد السعي لإيجاد تسوية تقنية، لذا تصبح المعركة واقعاً حقيقياً يحدد هوية النظام الإقليمي الجديد، حيث إن التسويات الكبرى تُنتزع تحت وطأة التهديد المتبادل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى