أخبار الاقتصاد

الإعلام ينفضح.. كيف أثرت الحرب الإيرانية على أسطورة ترامب السياسية؟

في أوج نجاحه السياسي، ومع اقترابه من تتويج نفسه زعيمًا لا يُهزم، واجه دونالد ترامب لحظة قاسية من الحقيقة؛ فالصراعات الحالية لا تُخاض ضد خصومه التقليديين، والتحديات الرئيسية تأتي من الداخل، إذ تواصل “حرب إيران” استنزاف شعبيته وتفكيك عقيدته السياسية، وعلى الرغم من الحاجة لتوحيد الصفوف في وقت حساس عالميًا، إلا أن الحرب أظهرت تصدعات عميقة في جدار “اليمين الأمريكي” وحركة “ماجا MAGA”، مما يهدد مستقبل الحزب الجمهوري بأكمله، ويجعل حلم “أمريكا أولًا” كابوسًا يستدعي التساؤل: هل “لعنة إيران” ستسقط إمبراطورية ترامب بلا رصاصة واحدة؟

شرارة الانقسام.. كيف يخسر ترامب حلفاءه بالداخل؟

لتفكيك هذه الصورة المعقدة، يجب العودة للبدء الجماهيري حيث قرر ترامب فتح جبهة داخلية معارضة من خلال منصته “تروث سوشيال”.

في تدوينة مطولة، شن الرئيس هجومًا شديدًا على قادة الوعي اليميني، مستهدفًا التحذير من أسماء مثل “تاكر كارلسون”، و”ميجن كيلي”، و”كانديس أوينز”، و”أليكس جونز”، واصفًا إياهم بأنهم “فاشلون يحاولون التمسك بحركة ماجا” ومتهمًا إياهم بأن لديهم “معدل ذكاء منخفض”، قبل أن يبرر هجومه بأنهم ينتقدونه لأنهم يعتقدون أن امتلاك إيران للسلاح النووي أمر إيجابي. هؤلاء المؤثرون كانوا يعتبرون في السابق القوة الإعلامية الرئيسية التي تقود الدعاية الجماهيرية، إذ يملكون معًا أكثر من 100 مليون متابع عبر منصات البودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي البديلة. ما يحدث الآن يتجاوز كونه زوبعة رقمية، بل إنه زلزال يضرب أساس اليمين الأمريكي، كما تشير شبكة “إيه بي سي نيوز”، التي تقول إن هذا الصراع يكشف عن انقسام عميق في أيديولوجية قاعدة (MAGA) حول الوضع في الشرق الأوسط. في دلالة واضحة على عمق الأزمة ومدى انتشارها، ذكرت مجلة “بوليتيكو” أن هناك “قلقاً متزايدًا” بين الموظفين الشباب الأكثر يمينية داخل الإدارة. هذا الانقسام امتد من شاشات البودكاست إلى دوائر صنع القرار من الداخل. وفي نفس الوقت، تصطف شخصيات إعلامية مؤثرة مثل “جو روجان” في معسكر المعارضين للحرب، مما يفاقم عزل الإدارة تدريجيًا عن أهم قاعدة انتخابية لها.

صدمة الأيديولوجيا.. شعار “أمريكا أولًا” يحترق

إذا تجاوزنا السطح في هذه المناقشات الرقمية الغاضبة، سنجد أزمة تضرب جذور العقيدة الترامبية ذاتها، فعلى عكس الرواية الرسمية التي تدعو للتدخل العسكري في إيران كضرورة لحماية الأمن القومي، يقترح بعض المؤثرين اليمينيين أطروحات بديلة مدروسة. هؤلاء يرون الانخراط في حرب جديدة في الشرق الأوسط خرقًا صريحًا للوعد الذي تأسست عليه الحركة: “أمريكا أولًا”، وبالنسبة لشخصيات مثل تاكر كارلسون، استخدام القدرات العسكرية والاقتصادية الأمريكية لتمويل أجندات خارجية يتعارض مع مصلحة المواطن الأمريكي المثقل بالأزمات. وقد قاد كارلسون “محاولة أخيرة يائسة” في فبراير لإقناع ترامب بالتراجع عن فكرة الحرب، محذرًا من العواقب الكارثية التي قد تترتب على انحراف الإدارة عن مبادئها المؤسسة، كما ذكر المحلل السياسي السابق أندرو نابوليتانو عبر وكالة “تاس” الروسية.

تمزيق العقيدة

الانقسام الأيديولوجي الحالي له جذور عميقة، نتيجة دخول عوامل جيوسياسية أعادت تشكيل تحالفات الإدارة من الداخل، فبينما يبرر ترامب موقفه بخطر البرنامج النووي الإيراني، يعتبر الجناح الانعزالي أن هذا الخطاب مستنسخ من خطاب المحافظين الجدد، وهم الفئة التي لطالما احتقرها التيار الشعبوي، وعُدوا سببًا رئيسيًا في تراجع الإمبراطورية الأمريكية. بينما يظهر تيار يميني آخر يدافع بشراسة عن قرارات الرئيس العسكرية، يتضح الاستقطاب الحاد في الداخل، حيث يرى مايك ديفيس، زعيم منظمة “مشروع المادة الثالثة” المؤيدة للرئيس، أن تهديدات المرشد الإيراني للسفن الأمريكية تبرر استهداف مقره. هذا التباين الحاد بين من يعتبر الحرب “خيانة عظيمة” للطبقة العاملة المثقلة بإنفاق عسكري هائل، ومن يراها “استعراضًا حتميًا للقوة الوطنية”، يثير تساؤلات حول تمزق عقيدة “أمريكا أولًا” بأيدي أبنائها.

اختراق العقل الاستراتيجي لليمين.. كيف تستفيد إيران؟

لتحليل هذا الصدع بدقة، تؤكد المحامية المتخصصة في الأمن القومي إيرينا تسوكرمان، أن الصراع داخل اليمين الأمريكي يتجاوز الخلافات التكتيكية، فهو يعكس “إعادة اصطفاف أعمق لكيفية فهم القوة الوطنية بعد عقود من التمدد الاستراتيجي المفرط، وتغير الأولويات المحلية”. الشرح يوضح أن الجناح التقليدي داخل الحزب ينظر لإيران في إطار “الردع والتوازن الإقليمي”، محذرًا من التردد، بينما تبرز كتلة “القومية الشعبوية” التي تقيم الروابط الخارجية فقط من خلال تأثيراتها على التضخم وتكاليف الطاقة. كما تسلط تسوكرمان الضوء على فصيل ثالث أكثر تعقيدًا يتحرك ضمن بيئة رقمية تمزج بين انعدام الثقة الشعوبية ورفض المؤسسات، معتبرًا أن الحجج لدفع العمل العسكري ضد إيران ليست سوى “أجندات خفية” لمصالح شخصية. الباحثة تحذر من آثار هذا الانقسام على قوة الردع الأمريكية، قائلةً إنه إذا أدركت إيران أن القيادة الأمريكية تواجه مقاومة كبيرة من قاعدتها الجماهيرية، فيمكنها تعديل استراتيجيتها واختبار العتبات بسلاسة أكبر، متوقعةً أن القيود السياسية ستحد من التصعيد.

فخ الحلفاء وزلزال الصناديق.. هل يخسر ترامب الأغلبية؟

ميدانيًا، يُترجم هذا الشلل الأيديولوجي إلى ارتهان كامل لسياسات الحلفاء الإسرائيليين في المنطقة، مما يخلق انقسامًا حادًا بين الوجوه السياسية القديمة. فاللجنة الوطنية للحزب الجمهوري تدعم العملية العسكرية كخطوة ضرورية لحماية النفوذ، بينما يرى تيار واسع من قاعدة (ماجا) أن هذا الدعم يعيد الحزب إلى حقبة التدخلات الكارثية كما في حرب العراق. حاليًا، تواجه السياسة الخارجية الأمريكية ضغوطًا مزدوجة؛ ضغط خارجي يطالب بالتصعيد بشكل مطلق، وضغط داخلي يحذر من الاستنزاف الاقتصادي والعسكري. ومن هذه الزاوية، يتحول الصراع الداخلي إلى معركة وجودية تهدد مستقبل الحزب ككل.

تمرد الكابيتول

هذه المعارضة لم تعد مقتصرة على المنصات الرقمية، بل تمتد لتعقيد الأمور داخل الكابيتول. وفقًا لمعهد “تشاتام هاوس”، شخصيات بارزة من التيار المتشدد مثل مارجوري تايلور جرين، تعلن انضمامها للرافضين للحرب، جنبًا إلى جنب مع معتدلين تقليديين في مجلس الشيوخ. هذا التفكك المتسارع يوصل ترامب إلى موقف استراتيجي خطير، حيث يمنح الحزب الديمقراطي أسلحة هجومية وافية للاستخدام في انتخابات التجديد النصفي، معتمدًا على فشل الرئيس في إدارة الأزمات الدولية. في كواليس هذه المواجهة الأيديولوجية، تسير الأحداث نحو انزلاق سياسي يهدد آمال الجمهوريين في انتخابات نوفمبر القادمة، كما أن الفشل في تحقيق نجاحات عسكرية سريعة، أو التسوية مع طهران، سيؤديان بلا شك إلى تآكل قاعدة (ماجا) الموالية لترامب. مع استمرار ولاء غالبية القاعدة للرئيس، فإن زيادة الانتقادات من قادة الرأي اليميني قد تحول هذه المعادلة الهشة جذريًا.

اللعب على المكشوف.. كيف يستثمر الديمقراطيون نيران اليمين؟

في الناحية الأخرى، لا يقف خصوم ترامب مكتوفي الأيدي أثناء تآكل الولايات المتحدة الداخلية. بدأ الحزب الديمقراطي في صياغة حملة مضادة لاستقطاب الناخبين الغاضبين. يكشف الدكتور نعمان أبو عيسى، عضو الحزب الديمقراطي، أن استراتيجية الديمقراطيين تركز الآن على تحديد الانقسامات الحقيقية داخل قاعدة الحزب الجمهوري وتعزيزها سياسيًا. التحالف الجمهوري انقسم إلى ثلاث كتل: قاعدة (MAGA) المؤيدة للعمل العسكري، “المحافظون الليبرتاريون” المتحفظون بشأن التدخلات الخارجية، و”الجمهوريون التقليديون” ذوو المواقف المرتبكة. هذا الارتباك يتجلى في المحاولات المتزامنة بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس للتفاوض مع إيران للدفاع عن النفوذ. بصورة تكتيكية، يستخدم الديمقراطيون “التناقض” لضرب مصداقية الرئيس، موجهين رسالتهم بسلاسة: “ترامب وعد بتجنب الحروب التي لا تنتهي، والآن هو متورط في حرب جديدة”، وهذه الرسالة تستهدف الشباب والمستقلين والجمهوريين المعارضين للحروب. ولتحويل هذا الخلاف إلى استياء ملموس، يربط الديمقراطيون التداعيات الحربية بارتفاع تكاليف الوقود والضغوط الاقتصادية، مما يضع مرشحي الحزب الجمهوري أمام خيار صعب بين دعم الحرب أو حماية الدستور. رغم ولاء القاعدة، إلا أن تراجع الحماس وانخفاض نسب التصويت هي عوامل كافية لقلب المعادلات في الانتخابات القادمة.

خارطة سياسية على رمال متحركة

وسط غبار هذه المعركة الفوضوية، يبدو الرابح الأكبر ساكنًا في طهران، يراقب كيف تسيطر ارتدادات الحرب على حصن ترامب من الداخل دون الحاجة لإطلاق رصاصة إضافية، فالرئيس الذي استثمر سنوات في تفكيك نظام واشنطن التقليدي يبني إمبراطورية شعبوية تعتمد على التحدي العلني لـ”الحروب الأبدية”، يجد نفسه اليوم سجين خياراته، فقد أوصلته هذه المسارات إلى زاوية واحدة مع ذات المؤسسة التي قاتل ضدها، ومواجهة مباشرة مع الإعلاميين الذين بنوا أسطورته، هذا التناقض ليس مجرد خطأ عابر، بل يمثل انقسامًا عميقًا بين صانع القرار وقاعدته الأيديولوجية. الأيام القادمة ستحدد وجهة الصراع الإقليمي، إذ لم يعد أمام ترامب سوى خيارين، إما إيجاد إطار يوازن بين ضغوط حلفائه الخارجيين وغضب قاعدته المحلية، أو الاستسلام لعناد مفرط يجعله يخوض معركة التجديد النصفي منفردًا وبلا حماية، ليظهر أمام العالم عجزه عن الحفاظ على إمبراطوريته السياسية بيده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى