تردد القنوات

اكتشاف مذهل حول قوة صهيل الخيول في عالم العلوم

على الرغم من أن البشر تعايشوا جنبًا إلى جنب مع الخيول لأكثر من 4 آلاف عام، إلا أن الطريقة الدقيقة التي تنتج بها هذه الخيول صوت الصهيل المميز لم تفسر علميًا لفترة طويلة.

ومؤخراً، أصبح لدينا فهم أفضل للآلية التي تكمن وراء تواصلها الصوتي، ففي دراسة جديدة نُشرت في مجلة “كارنت بيولوجي” (Current Biology)، أوضح الباحثون كيف يمكن للخيول إنتاج صوتين مختلفين في نفس الوقت، مما يجعلها تبدو كأنها تغني وتصفر في آن واحد.

سر الازدواج الصوتي

بشكل عام، يُتوقع من الثدييات الكبيرة أن تمتلك أصواتًا عميقة، حيث يزداد حجم الحنجرة عادة مع زيادة حجم الجسم، وبالتالي تنتج الحيوانات الأكبر أصواتًا منخفضة التردد، لكن الخيول لا تتبع تمامًا هذا النمط، وفقًا للباحث رومان لوفيفر من جامعة كوبنهاغن، “يعني هذا أنها تنحرف عن قاعدة تُعرف بالتناسب الصوتي التي تنطبق عادة على الثدييات، ومفادها أنه كلما زاد حجم الحيوان، كبرت حباله الصوتية وانخفضت حدة صوته”؛ ويضيف الباحث المشارك “وفقًا لهذه القاعدة، يُفترض أن يصدر حصان يزن نحو 500 كيلوغرام صوتًا منخفض التردد للغاية، لكننا نلاحظ أن صهيل الخيول، إلى جانب تردده الأساسي المنخفض، يحتوي على تردد أساسي مستقل يبلغ نحو 1500 هرتز، وهو أعلى بكثير مما هو متوقع لحيوان بحجم الحصان”؛ ومنذ فترة طويلة، كان معروفًا أن الخيول تتحدث بلغة ثنائية الصوت، حيث يتضمن صهيلها مزيجًا غير مألوف من الأصوات العالية والمنخفضة، وهو ما يُعرف علميًا باسم الازدواج الصوتي. ومع ذلك، فإن هذا الشكل من التواصل نادر نسبيًا بين الثدييات، والذي يشير إلى احتواء نداء واحد على مكونين تردديين مستقلين، كما يحتوي الصهيل على صوت منخفض التردد قريب من 200 هرتز، وآخر عالي التردد يتجاوز 1000 هرتز، والأكثر غرابة أن الخيول تعمل على إنتاج هذا الصوت ثنائي التردد بشكل دوري في كل صهيل، بينما في الثدييات الأخرى، عادة ما تكون مثل هذه النداءات متقطعة ونادرة؛ ولم يكن الجزء منخفض التردد من الصهيل لغزًا غامضًا، إذ يمكن تفسيره بسهولة بناءً على الاهتزاز الطبيعي للحبال الصوتية في الحنجرة، تمامًا كما يحدث عند كلام الإنسان أو غنائه، وهو ما كنا نتوقعه استنادًا إلى حجم جسم الحصان؛ أما المكون عالي التردد -وهو أعلى بكثير مما يمكن أن تُنتجه الحبال الصوتية بالنظر إلى حجم الحصان- فينتج عبر ما يُعرف بالصفير الحنجري، وهو أمر غير مألوف لحيوان بهذا الحجم، مما جعل كيفية إنتاجه لغزًا محيرًا.

تجارب تشريحية لحل اللغز

لإيجاد إجابة لهذا اللغز، كان على الباحثين دمج أساليب تجريبية مختلفة، حيث استخدموا تقنيات داخل وخارج الجسم الحي على عينات محفوظة، تتضمن إجراء تجارب مخبرية على حناجر خيول مستأصلة -وهي المصدر الأساسي للصوت لدى الثدييات- إضافة إلى تنفيذ عمليات تصوير مقطعي ثلاثي الأبعاد لدراسة بنيتها التشريحية بدقة، وقد قام الباحثون بإدخال كاميرا صغيرة عبر أنف الخيول لتصوير ما يحدث داخل الحنجرة أثناء الصهيل، وكذلك أثناء إصدار صوت شائع آخر، وهو صوت الحنين الأكثر هدوءًا، ومرر الباحثون الهواء عبر حناجر معزولة من خيول نافقة، في البداية حصلوا على المكون منخفض التردد فقط، لكن بعد بعض المحاولات، تمكنوا من إنتاج المكون عالي التردد أيضًا، أظهرت النتائج أن الأصوات عالية النبرة في الصهيل هي شكل من أشكال الصفير يبدأ داخل الحنجرة. حيث يهتز الهواء مع الأنسجة في الحنجرة بينما تنقبض منطقة فوقها، تاركة فتحة صغيرة يخرج منها الصفير، وتعمل هذه الآلية بطريقة مشابهة للصفير البشري الذي نقوم به بأفواهنا، إلا أن تدفق الهواء الذي يولد الصوت يصبح مضطربًا داخل الحنجرة بدلًا من الشفتين، ومع أن بعض القوارض الصغيرة، مثل الجرذان والفئران، قادرة أيضًا على إنتاج صفير حنجري مشابه، ولكن بترددات تفوق قدرة السمع البشري، تعتبر الخيول هي الأولى من الثدييات الكبيرة المعروفة باستخدام هذه الآلية، وهي الحيوانات الوحيدة التي معروفة بقدرتها على الصفير عبر الحنجرة أثناء إصدار الأصوات، وشملت التجارب أيضًا فحوصات بالمنظار الداخلي على خيول حية، وأظهرت كيف يتم تنشيط كل بنية وفقًا لكل تردد، إذ يمكن رؤية اهتزاز الحبال الصوتية عند بدء النغمة المنخفضة، في حين يُلاحظ انقباض قوي للغضاريف الواقعة فوق الحنجرة عند بدء النغمة العالية، مما يؤدي إلى تضييق المزمار -وهو الجزء الذي تقع فيه الحبال الصوتية- وإمالة هذه الحبال وزيادة مقاومة مجرى الهواء، ونتيجة لذلك، يُدفع الهواء عبر فتحة ضيقة بسرعة عالية، مما يولد الصفير، ولتعزيز الأدلة على آلية الصفير، مرر الباحثون غاز الهيليوم عبر حناجر مستأصلة، من خلال المقارنة، تمكنوا من التحقق مما إذا كان الصوت العالي ناتجا عن صفير هوائي أم عن اهتزاز أنسجة، ويقول لوفيفر “بما أن الهيليوم أقل كثافة من الهواء العادي، فهو يزيد سرعة الصوت، مما يؤدي إلى رفع ترددات الصفير، لكنه لا يؤثر في اهتزاز الأنسجة، وبالتالي لا يغير الأصوات الناتجة عن اهتزاز الحبال الصوتية”، ويضيف “خلال تجاربنا، لاحظنا أن الترددات العالية -المشابهة للمكون عالي التردد في الصهيل- ارتفعت عند استخدام الهيليوم، ما يثبت أنها ناتجة عن صفير هوائي”، أما الدليل الآخر على آلية الصفير فقد تمثل في تسجيل أصوات خيول تعاني من اعتلال العصب الحنجري الراجع الذي يشل حركة الأحبال الصوتية، في هذه الخيول، كان التردد المنخفض في صهيلها مضطربًا بشدة، أو غائبًا تمامًا، في حين ظل الصفير عالي التردد طبيعياً دون تغيير.

فرضيات حول الوظيفة

يبقى سؤال جوهري مطروح حول كيفية نشوء هذه الأصوات ثنائية النغمة عبر التكيف، فخيول برزوالسكي البرية المهددة بالانقراض، والقريبة وراثيًا من الخيول المستأنسة، وبعض أنواع الأيائل، تصدر صهيلاً يتضمن ازدواجًا صوتيًا، في حين يبدو أن أقارب الخيول الأبعد مثل الحمير والحمير الوحشية يفتقرون إلى المكون عالي التردد، وتشير هذه الفروق إلى أن الخيول طورت تكيفات صوتية متخصصة تمنحها نطاقًا أوسع وأكثر تعقيدًا من الإشارات مقارنة بغيرها من الثدييات، وترى بريفر أن هذه القدرة الصوتية قد تتكيف لتسمح للخيول بنقل إشارات مستقلة متعددة في الوقت ذاته، كما أن الصهيل ثنائي النغمة يمكّن الخيول من نقل رسائل مختلفة تتعلق بحالتها العاطفية عبر نداء واحد، ويفترض الباحثون أن الصفير قد يجعل الصهيل أكثر وضوحًا، ويساعد الصوت على الانتقال لمسافات أطول، لكن هذه الفرضيات لم تُختبر تجريبيًا بعد؛ يقول لوفيفر: “تبرز نتائجنا المرونة التكيفية الكبيرة للحنجرة لدى الثدييات وقدرتها على إنتاج أصوات إضافية، كما تُظهر كيف يمكن لآلية تكيفية قديمة، مثل اهتزاز الحبال الصوتية، أن تقترن بشكل متكامل بآلية ديناميكية هوائية -هي الصفير- لزيادة تعقيد التواصل الصوتي لدى الخيول”، وبذلك تبرز هذه الدراسة -كما تقول بريفر- المرونة التكيفية اللافتة للنظام الحنجري المسؤول عن إنتاج الأصوات لدى الثدييات، وتكشف في الوقت ذاته أن حتى أكثر الحيوانات ألفة للإنسان ما زالت تخبئ أسرارًا علمية لم تُكتشف إلا حديثًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى