موجة محدودة من الإنفاق الأمريكي بسبب توترات إيران وتأثيرها على الأسر

Published On 24/4/202624/4/2026
|
آخر تحديث: 21:53 (توقيت مكة)آخر تحديث: 21:53 (توقيت مكة)
تظهر أزمة المطاعم في واشنطن بشكل تدريجي، مع وجود طاولات فارغة أكثر من المعتاد، وانخفاض في مستوى الضجيج الذي كان يملأ المكان، ورغم استمرار الحركة، إلّا أنها فقدت زخمها، حيث تمر الطلبات عبر تقييمات أكبر من التردد والدقة.
يقول مايك، أحد العاملين في المطعم، إن التراجع في الإقبال يعد “تدريجياً لكنه مقلق”، مشيراً إلى أن انخفاض الإقبال دفع صاحب المطعم لتقليص عدد العاملين، في ظل إيرادات لم تعد تكفي لتغطية تكاليف التشغيل السابقة، ويضيف مايك للجزيرة نت: “كنا نمتلئ كل ليلة تقريبا، ولم يعد الأمر كذلك”.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
ويتابع مايك قائلاً: “فئة من الطبقة المتوسطة كانت تُنفق بشكل دوري على المطاعم، لكن زيارة المطعم أصبحت، مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية والبنزين، أشبه بالتكلفة الفارهة”، مضيفاً: “الناس بدأت تحسب كل شيء وتكتفي بخيارات أقل تكلفة”.
هذا التغير في السلوك الاستهلاكي يتزامن مع تقديرات حديثة للاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي)، تشير إلى أن عدداً متزايداً من الشركات تتبنى نهج “الانتظار والترقب” في ضوء حالة عدم اليقين المتزايدة، مما ينعكس تدريجياً على قرارات الإنفاق اليومي للأمريكيين.
تراجع الإقبال على مطعم في العاصمة واشنطن (الجزيرة)
استهلاك حذر
في مركز تجاري ليس بعيداً، تقف ليندا أمام واجهة متجر، تتفحص الأسعار قبل أن تعيد بعض المشتريات إلى مكانها، وتوضح أن قرارات الشراء لم تعد تلقائية كما كانت، بل أصبحت تعتمد على “حسابات دقيقة”.
تضيف ليندا للجزيرة نت: “الحرب في إيران بدأت تؤثر على طريقة استهلاك الأمريكيين، مما يدفع كثيرين إلى الحذر والانتباه أكثر لقراراتهم الشرائية”، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار البنزين قد يؤثر كذلك على خطط السفر خلال فصل الصيف، في ظل الضغوط المتزايدة على تكاليف المعيشة.
وتنتقد ليندا الإدارة الحالية، قائلة: “لا أفهم كيف تُصرف ملايين الدولارات على حرب أراها غير ضرورية، بينما كان الأجدر تسهيل حياة الأمريكيين”، في إشارة إلى سياسات الرئيس دونالد ترمب.
حلم مؤجل
أما ريشيل، وهي أم في الأربعين، فتقول إنها تحاول منذ سنوات شراء منزلها الأول، لكن ارتفاع الأسعار ونسب الفائدة جعل الأمر خارج قدرتها، وتوضح للجزيرة نت: “قمت بكل ما كان عليّ القيام به، ادخرنا وخططنا وبحثنا طويلاً، لكن الحلم صار بعيد المنال”.
تضيف أن ارتفاع أسعار الفائدة مجددًا، في ظل تداعيات الحرب وما تسببه من ضغوط على أسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض، دفعها لتأجيل القرار مرة أخرى، معتبرة أن التوقيت لم يعد في صالحها، “أطفالي يقتربون من الجامعة، وأشعر بالإحباط لأنني لا أستطيع امتلاك بيت في هذا الاقتصاد”.
تظهر بيانات حديثة أن القدرة على شراء المنازل تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، مع اتساع الفجوة بين الدخل وأسعار العقارات، وقد أدى ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة كلفة القروض العقارية بشكل ملحوظ، مما دفع كثيراً من المشترين المحتملين إلى التراجع أو تأجيل قراراتهم.
حالة الترقب تعكس قلقا حقيقيا داخل الأسواق في الولايات المتحدة (الجزيرة)
تناقض بين الأسواق والواقع
يؤكد المستثمر ومحلل الأسواق الأمريكي ديفيد تويل أن “ثقة المستهلك الأمريكي لم تكن أدنى مما هي عليه الآن”، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية والوقود، واصفاً الاقتصاد الأمريكي بأنه “منقسم”، حيث تستفيد الفئات الأكثر ثراء، بينما تعاني غالبية الأمريكيين من ضغوط معيشية متزايدة.
يشرح رئيس شركة “بروتشين كابيتال” للجزيرة نت أن حالة “الترقب” تعكس قلقًا حقيقياً داخل السوق، في ظل حرب “غير مسبوقة” مع إيران، تسببت في اضطرابات بسلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في قطاعات حيوية مثل الطاقة والأسمدة والغاز.
وعلى الرغم من تسجيل الأسواق الأمريكية مستويات قياسية، يحذر تويل من أن هذا التفاؤل قد يكون مضللاً، مشيراً إلى أن المستثمرين “لا يأخذون في الحسبان احتمال استمرار الحرب أو تداعياتها طويلة الأمد”، وأن الأسواق تراهن ضمنيًا على احتواء سريع للصراع، وهو رهان قد لا يصمد إذا تصاعدت التوترات.
يبيّن تويل هذا التباين بين صمود الأسواق وتراجع ثقة الأفراد، بأن الشركات الكبرى لا تجد حافزاً للمخاطرة في ظل مكافأة الأسواق لأدائها الحالي، مما يعزز حالة الجمود في القرارات الاقتصادية، ويرى أن الولايات المتحدة قد تستفيد نسبياً من استمرار الأزمة، باعتبارها “ملاذاً آمناً” مقارنة باقتصادات أكثر عرضة لتداعيات الحرب، خصوصاً في أوروبا والشرق الأوسط.
حالة عدم اليقين بدأت تنعكس على قرارات الإنفاق اليومية للأمريكيين (الجزيرة)
مخاطر أكثر تعقيدًا
بينما يرى تويل أن الأسواق تعكس قدراً من الثقة، يحذر ديفيد بييري -أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة بجامعة فرجينيا للتكنولوجيا- من أن التأثيرات المتأخرة للصدمات قد تُترجم لاحقًا إلى اضطرابات أوسع.
يقول بييري للجزيرة نت، إن اتساع الفجوة بين أداء الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي “غالبًا ما يكون مقدمة لتصحيحات مؤلمة”، موضحًا أن الارتفاع المفرط في أسعار الأصول قد يتبعه هبوط حاد يمتد تأثيره إلى الاقتصاد الفعلي.
بخصوص الحرب، يشير بييري إلى أن الصدمة النفطية الحالية تُعتبر من الأكبر تاريخيًا، لكن آثارها الكاملة لم تظهر بعد، لافتًا إلى أن انتقال تأثيرات الأسعار عبر الاقتصاد “يستغرق أشهراً أو حتى فصولًا كاملة”، مما يجعل -برأيه- المخاطر الحالية أكثر تعقيدًا.
يعتقد بييري أن الاقتصاد الأمريكي، رغم قوته النسبية، لا يمكنه الانفصال عن التداعيات العالمية، مشيراً إلى أن أي اضطراب في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد سينعكس حتماً على الداخل، كما يلفت إلى أن صانعي السياسة النقدية “يقودون الاقتصاد بالنظر إلى المرآة الخلفية”، في إشارة إلى اعتمادهم على بيانات متأخرة قد تعيق سرعة الاستجابة للتحولات السريعة.



