تساؤلات حول مصير الأموال: نظرة على أزمة السيولة في اليمن

Published On 23/4/202623/4/2026
|
آخر تحديث: 14:55 (توقيت مكة)آخر تحديث: 14:55 (توقيت مكة)
تسعى دراسة “أزمة السيولة في اليمن: تحليل متعدد الأبعاد للأسباب والاختلالات ومسارات المعالجة” التي أعدّها الباحث وحيد عبد الكريم الفودعي والصادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية، إلى إعادة تعريف مفهوم السيولة، إذ لا يقصر الفودعي عنايته على الكتلة النقدية المتداولة، بل يتناولها كقدرة الاقتصاد على تنفيذ معاملاته بسلاسة، مما يرتبط بعوامل تتجاوز النقود، مثل سرعة الدوران، وكفاءة التوزيع، ومستوى الثقة في النظام المالي.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
بناءً على هذا التعريف، فإن أي تحليل يقتصر على حجم النقود قد يكون مضللاً، فقد يتوفر مبلغ كبير من النقود، لكنها تظل عاجزة عن أداء مهامها في السوق، سواء نتيجة ضعف التداول، أو تركزها، أو خروجها من الدورة الاقتصادية.
البعد الكمي: فجوة بين الناتج والنقد
تكشف الدراسة التي أعدّها وحيد عبد الكريم الفودعي عن مفارقة جوهرية، وهي اتساع الفجوة بين نمو الناتج المحلي الاسمي ونمو الكتلة النقدية، إذ شهد الاقتصاد توسعًا ملحوظًا بين 2017 و2025، في حين تباطأ نمو النقد المتداول، وخاصة في السنوات الأخيرة، مما يعني أن الاقتصاد يعتمد على كميات محدودة من النقود لإدارة معاملات أكبر، ويؤدي هذا ضغطًا متزايدًا على السيولة، مما ينعكس في زيادة سرعة دوران النقد لتعويض النقص.
السيولة الفاعلة.. ما بين الرقم والواقع
لا يكتفي الفودعي بتحليل الأرقام الرسمية، بل يطرح مفهوم “السيولة الفاعلة”، الذي يميز بين الكتلة النقدية المسجلة وتلك القادرة فعلًا على التداول، ويشير إلى أن جزءًا من النقد المتداول يفقد وظيفته بسبب التلف أو ضعف القبول، وهذا ما يقلص من الكتلة النقدية الحقيقية، وبالتالي، فالأزمة لا تتعلق بنقص السيولة فقط، بل بوجود فجوة بين ما هو محسوب في البيانات وما هو المتاح في السوق، وهذه الفجوة تتزايد في ظل غياب آليات فعّالة لإحلال النقد التالف.
ترتبط الدراسة بين أزمة السيولة وطبيعة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على النقد الورقي في إجراء المعاملات، حيث يؤدي غياب أنظمة الدفع البديلة، وضعف الوساطة المصرفية، إلى تفاقم آثار أي نقص في النقد، مما يتسبب في اختناق مباشر للنشاط الاقتصادي.
يُشير وحيد عبد الكريم الفودعي إلى أن النسبة الأكبر من الكتلة النقدية موجودة خارج الجهاز المصرفي، مما يحد من قدرة البنك المركزي على التأثير في الدورة النقدية، ويجعل السوق أكثر عرضة للاختلالات.
البعد السلوكي: الثقة والاكتناز
تظهر الدراسة أن أزمة السيولة لا يمكن فصلها عن تراجع الثقة في النظام المصرفي، فأوقات انخفاض الثقة لدى الأفراد، يميلون إلى الاحتفاظ بالنقود خارج البنوك، مما يقلل السيولة المتاحة في السوق، ويصف الفودعي هذه الحالة بدائرة مغلقة، حيث يؤدي نقص السيولة إلى زيادة القلق، ولذلك تحدث حالة من الاكتناز، مما يعمق الأزمة ويعيد إنتاجها.
وعلى المستوى المؤسسي، تشير الدراسة إلى أن إدارة السيولة تعاني من قصور واضح في التخطيط أو الرقابة أو بناء الاحتياطيات، مما يؤدي إلى ضعف القدرة على التدخل في الوقت المناسب، ويحد من فعالية الأدوات النقدية المتاحة، كما تتناول الدراسة اختلالات في تدفق الموارد المالية، وعمليات خارج الإطار الرسمي، مما يضعف من دور البنك المركزي كمنظم للدورة النقدية.
لا يقتصر تأثير تدهور جودة العملة على جوانب شكلية تتعلق بتلف الأوراق النقدية، بل يمتد ليؤثر على طبيعة المعاملات اليومية، إذ لا تُرفض الأوراق النقدية التالفة بشكل صريح، بل تُقابل بتردد أو تُقبل بشروط، مما يزيد الاحتكاك في جميع عمليات التبادل، ومع تكرار هذه الحالة، تتحول المشكلة من مسألة جودة النقد إلى عائق فعلي أمام التداول، حيث تتعطل بعض المعاملات أو تتأخر، ليس بسبب غياب النقود تمامًا، ولكن بسبب غياب النقود المقبولة.
يبين الدراسة أنه يترتب على ذلك تراجع ضمني في الثقة بالنقد ذاته، لا بوصفه رقمًا، بل بوصفه وسيطًا موثوقًا، فعندما لا تكون كل ورقة قابلة للاستخدام بنفس الدرجة، يفقد النظام النقدي أحد شروطه الأساسية، وهو التجانس، ومع غياب هذا التجانس، تبدأ السوق في إنتاج بدائلها سواء عبر تفضيل أوراق بعينها أو الميل للاحتفاظ بالنقد الجيد وتداول الأقل جودة، وهي ظاهرة تزيد من اختفاء السيولة الفاعلة دون أن يظهر ذلك مباشرة في البيانات.
مسارات المعالجة: نحو إعادة التوازن
في الجزء الختامي، يطرح وحيد عبد الكريم الفودعي تصورًا لمعالجة الأزمة يعتمد على مقاربة متكاملة، تبدأ بإعادة بناء السيولة الفاعلة، ولا تقتصر على حدود الإصدار النقدي فقط، ويتضمن هذا التصور تحسين توزيع السيولة، واستعادة الثقة في النظام المصرفي، وضبط السوق النقدي، بالإضافة إلى إصلاح الإدارة المالية العامة، وتطوير البنية التحتية للمدفوعات، ويؤكد الباحث أن أي توسع في طباعة النقد يجب أن يتم بحذر لتجنب الضغوط التضخمية.
خلاصة
تخلص الدراسة إلى أن أزمة السيولة في اليمن تمثل اختلالًا مركبًا في بنية النظام النقدي، لا يمكن معالجته عبر أدوات جزئية أو حلول سريعة، فالمشكلة تكمن، كما يعرضها وحيد عبد الكريم الفودعي، في ليس فقط حجم النقود، بل في قدرتها على العمل في اقتصاد يعاني من هشاشة هيكلية وتراجع في الثقة، مما يجعل إعادة التوازن إلى الدورة النقدية مهمة تتطلب معالجة متزامنة لمجموعة من العوامل المتداخلة.




