ستحرم الحرب الإيرانية الخليج من 6 تريليونات دولار من ثرواته

تُلقي الحرب الإيرانية بضغوط غير مسبوقة على صناديق الثروة السيادية الخليجية الضخمة، مُعقّدةً بذلك استراتيجياتها طويلة الأجل القائمة على التنويع والاستثمار العالمي.
وفقًا لتقرير مجلة الإيكونوميست، بأصول مُجمّعة تتجاوز 5 تريليونات دولار – والتي تُوصف غالبًا بأنها “كنز” مالي بقيمة 6 تريليونات دولار – تواجه الصناديق في دول مجلس التعاون الخليجي الآن ارتفاعًا في التكاليف المحلية، واضطرابات اقتصادية، وعدم استقرار جيوسياسي.
في السنوات الأخيرة، برزت هذه الصناديق من البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة كمستثمرين عالميين بارزين، حيث استثمرت أكثر من 430 مليار دولار منذ عام 2021.
وُجّه جزء كبير من هذا رأس المال – حوالي 75% – إلى الأسواق الدولية، مُغطيًا مجالات الذكاء الاصطناعي، والائتمان الخاص، والبنية التحتية، وحتى الأصول الرياضية، إلا أن اندلاع الحرب قد عرقل هذه الطموحات، مُجبرًا الحكومات وأذرعها الاستثمارية على إعادة تقييم أولوياتها.
ارتفاع التكاليف: أضرار البنية التحتية والإنفاق الدفاعي
يتزايد العبء المالي للصراع بوتيرة متسارعة، فقد تسببت الضربات الإيرانية بالفعل في أضرار تُقدر بنحو 25 مليار دولار أمريكي في البنية التحتية للنفط والغاز في جميع أنحاء المنطقة، وفقًا لتقديرات شركات الاستشارات، ويُتوقع أن تكون تكاليف إعادة الإعمار باهظة، مع احتمال الحاجة إلى إنفاق إضافي يتراوح بين 30 و50 مليار دولار أمريكي لتطوير مسارات بديلة لخطوط الأنابيب تتجاوز مضيق هرمز، في الوقت نفسه، تواجه دول الخليج زيادة في الإنفاق الدفاعي، بما في ذلك تجديد مخزونها من الصواريخ الاعتراضية وغيرها من الأنظمة العسكرية، مع تصاعد المخاطر الأمنية الإقليمية، كما يشهد النشاط الاقتصادي تباطؤًا، لا سيما في صادرات الطاقة، مما يزيد من الضغط على الميزانيات الوطنية، واستجابةً لذلك، أطلقت دبي حزمة تحفيزية لدعم الشركات المتضررة من الحرب.
صناديق الثروة السيادية تحت ضغط لدعم الاقتصادات المحلية
تاريخيًا، يُستعان بصناديق الثروة السيادية الخليجية خلال الأزمات لتحقيق الاستقرار في اقتصاداتها المحلية، وخلال جائحة كوفيد-19، سحبت صناديق استثمارية كبرى، مثل هيئة أبوظبي للاستثمار وهيئة الكويت للاستثمار، عشرات المليارات من الدولارات لدعم الاحتياجات الوطنية، ومن المتوقع ظهور نمط مماثل خلال النزاع الحالي، ومع ذلك، يحذر المحللون من أن عمليات سحب رؤوس الأموال قد تُخلّ باستراتيجيات الاستثمار طويلة الأجل وتُقلّل من انكشاف الصناديق على فئات الأصول العالمية في السنوات القادمة.
تحديات السيولة الناتجة عن الاستثمارات طويلة الأجل
يزداد الوضع تعقيدًا مع تزايد انكشاف الصناديق على الاستثمارات غير السائلة، فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، زادت صناديق الخليج بشكل ملحوظ من مخصصاتها للأسواق الخاصة، بما في ذلك:
- ما يقرب من 100 مليار دولار من الصناديق الإماراتية و40 مليار دولار من الكيانات السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للبيانات.
- حوالي 140 مليار دولار في العقارات والبنية التحتية.
- ما يقرب من 80 مليار دولار في الائتمان الخاص.
يصعب تسييل هذه الأصول بسرعة دون تكبّد خسائر، مما يحدّ من المرونة المالية في أوقات الأزمات، إضافةً إلى ذلك، ترتبط العديد من الاستثمارات بأهداف جيوسياسية استراتيجية، مثل تأمين الإمدادات الغذائية والمعادن الحيوية، مما يجعل التخلي عنها أكثر صعوبة.
الاستثمارات المحلية تواجه تراجعًا في العوائد
تؤثر الحرب أيضًا على الأصول المحلية، التي تُشكل ركيزة أساسية لاستراتيجيات التنويع الاقتصادي في دول الخليج، وتشهد قطاعات مثل الطيران والضيافة والعقارات انخفاضًا في الإيرادات، فتراجعت حركة الطيران، وانخفضت معدلات إشغال الفنادق، وتراجعت أسواق العقارات، كما تضررت العمليات الصناعية، حيث أبلغت الشركات عن أضرار وتأخر في التعافي، ونتيجة لذلك، تتضاءل التدفقات النقدية، مما يقلل من دخل توزيعات الأرباح للصناديق السيادية ويزيد من الضغوط المالية.
مشاريع ضخمة في خطر وسط حالة عدم اليقين الاقتصادي
تواجه العديد من المشاريع التنموية البارزة – التي تُعدّ محورية في خطط التحول الاقتصادي في الخليج – تأخيرات أو إلغاءات، ففي المملكة العربية السعودية، تم تعليق أعمال البناء في مشاريع رئيسية مثل ناطحة سحاب المكاب، بينما تم تقليص أو إيقاف بعض عناصر مبادرات واسعة النطاق مثل تروجينا وذا لاين، وتُثير هذه التطورات احتمالية حدوث شطب كبير في قيمة أصول صناديق مثل صندوق الاستثمارات العامة.
تحوّل أولويات الاستثمار في ظلّ نزاعٍ طويل الأمد
على الرغم من التحديات، من غير المرجّح أن تلجأ الصناديق السيادية الخليجية إلى بيع الأصول على نطاق واسع، فنهجها الاستثماري طويل الأجل لا يزال قائمًا، حيث يركّز المسؤولون على العوائد المقاسة على مدى عقود بدلاً من الفصول، ومع ذلك، قد يُسرّع الحرب من تحوّلٍ في الاستراتيجية، ويشير المحللون إلى أن الصناديق قد تُعطي الأولوية بشكلٍ متزايد للأصول المستقرة والمدرّة للدخل على الاستثمارات عالية المخاطر والموجّهة نحو المستقبل، وفي الوقت نفسه، قد يُعاد توجيه المزيد من رؤوس الأموال نحو إعادة بناء البنية التحتية المحلية بدلاً من تمويل مشاريع التحوّل الطموحة.
نقطة تحول في الاستراتيجية الاقتصادية لدول الخليج
كلما طال أمد الصراع، ازدادت صعوبة تحقيق التوازن بين طموحات الاستثمار العالمي والاحتياجات الاقتصادية المحلية بالنسبة لدول الخليج، بينما لا تزال صناديق الثروة السيادية من بين أقوى الجهات الفاعلة المالية في العالم، فإن الحرب الإيرانية تختبر قدرتها على الصمود، مما يُجبرها على إعادة ترتيب أولوياتها، وهو ما قد يُعيد تشكيل المسار الاقتصادي للمنطقة لسنوات قادمة.



