حظر النشر في قضايا العنف في مصر: هل يضمن حماية خصوصية المتضررين؟

أعلنت النيابة العامة المصرية، في بيان رسمي الاثنين، حظر النشر في جميع وسائل الإعلام المحلية والأجنبية حول ثلاث وقائع مرت recently: انتحار سيدة في منطقة سموحة بالإسكندرية، وحالتين اغتصاب قاصرات من قبل أفراد من أسرهن، حيث اعتبرت النيابة أن تناول هذه الوقائع يُقدّم آثاراً سلبية على قيم الأسرة المصرية، ويؤذي مشاعر أقارب الضحايا، بالإضافة إلى التأثير على خصوصياتهم ومصالحهم بشكل لا يخدم المصلحة العامة.
وينص الحظر على عدم نشر المعلومات، باستثناء البيانات الصادرة عن النيابة العامة، التي أكدت أيضاً أنها ستقوم بالرصد لمتابعة أيّ مخالفات تتعلق بقرار الحظر.
كما صرح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بأنه قام بالتواصل مع الجهات المختصة لحذف أي مقاطع مصورة مرتبطة بحادثة سموحة، مشدداً على ضرورة حظر نشر أي أخبار تتضمن اسم المتوفاة، تقديراً لحرمة وفاتها استناداً إلى المعايير المهنية.
حظر النشر كحل قاطع؟
يرى نقيب الصحفيين المصريين، خالد البلشي، أن فرض حظر النشر لن يكون حلاً فعالاً، خاصةً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتدفق المعلومات عبر الحدود، مؤكداً أن حظر النشر يجب أن يكون في أضيق نطاق، لتفادي أي تأثير سلبي على مسار العدالة، بدلاً من الحماية المزعومة التي ينبغي أن تتعامل مع الوقائع بشكل مهني.
قد سبق للنيابة العامة أن فرضت حظر النشر في قضايا مشهورة مثل مقتل الشابة نيرة أشرف عام 2022، واتهام إعلامية بالاتجار بالمخدرات في عام 2025، وأيضاً قضية مقتل أحد القضاة عام 2024، حيث يتم معاقبة من يخالف هذا الحظر بالحبس لمدة قد تصل إلى ستة أشهر أو غرامة تبدأ من خمسة آلاف جنيه (حوالي 93 دولاراً) إلى عشرة آلاف، أو إحدى هاتين العقوبتين.
وفي حديثه إلى بي بي سي، ذكر البلشي أنه كان يتابع المخالفات قبل القرار، مشيراً إلى أن مواقع وصحف نقابة الصحفيين قامت بحذف المحتوى المخالف بعد التواصل مع رؤساء التحرير، وذلك لأن انتهاك الخصوصية يُعتبر من أخطر الجرائم في العمل الصحفي.
من جهتها، تؤيد المحامية الحقوقية نسمة الخطيب قرار حظر النشر في مثل هذه الوقائع، لمصلحة حماية النساء والأطفال وأسرهم، كما ترى أن هناك جمهوراً يتهاون في شأن الضحايا في قضايا العنف الأسري، بما في ذلك حادثة سموحة وقضايا اغتصاب القاصرات.
تشير الخطيب في حديثها إلى عدم التزام العديد من الصحفيين بأخلاقيات المهنة، حيث يتم نشر معلومات تتعلق بالضحايا دون ضوابط، كما يتم إجراء مقابلات مع أسرهم دون مراعاة لظروفهم.
في المقابل، يعتبر المحامي طارق البلتاجي أن حظر النشر يعد انتهاكاً للحق في المعرفة، مُقترحاً بدلاً من ذلك إدخال تعديلات تشريعية تتضمن عقوبات واضحة لضبط النشر في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لحماية خصوصیة المتهمين والضحايا.
كما دعا البلتاجي إلى ضرورة إنشاء هيئة مسؤولة عن تطبيق هذه العقوبات، مثل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مشيراً إلى أن سلطة نقابة الصحفيين تنظيمية ولا تشمل جميع من يعملون في المجال الصحفي بمصر.
بموجب القوانين الحالية، يُعاقب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على المخالفات المرتبطة بالتغطية الصحفية بإجراءات تشمل حجب الوسيلة الإعلامية مؤقتاً أو دائماً، أو سحب ترخيصها، أو فرض غرامات مالية، وهو ما يعتمد على نوعية المخالفة.
أخلاقيات التغطية
يشير نقيب الصحفيين، خالد البلشي، إلى أن بعض أنماط التغطية شهدت خروقات لأخلاقيات المهنة، داعياً الصحفيين إلى الالتزام بالمواثيق الإعلامية المصرية. كما أكد أن سلطة النقابة تقتصر على الصحفيين المسجلين لديها ولا تشمل منصات التواصل الاجتماعي.
أضاف البلشي أن الصحفيين يجب أن يتحلوا بالمسؤولية وعدم التسابق وراء “الترند” لأنه قد يؤدي لقرارات حظر نشر نتيجة للغضب العام من تناول بعض التفاصيل بشكل غير مهني.
يوجد حوالي 12 ألف صحفي في نقابة الصحفيين المصرية، وهو عدد محدود). لا يزال هناك الكثير من الأفراد الذين يعملون في المجالات الإعلامية دون أن يكونوا مسجلين في النقابة، بسبب شروط انضمامها.
بينما تعمل النقابة على تحديث ميثاق الشرف الصحفي ليتماشى مع التغيرات الأخيرة في مجال الصحافة، بما في ذلك المحظورات المتعلقة بنشر بيانات المتهمين والضحايا، وخاصة النساء والأطفال، وفي سياق وسائل التواصل الاجتماعي.
ترى الصحفية مروة فاضل أن سعي بعض الصحفيين وراء “الترند” لا يساهم في التزامهم بأخلاقيات التغطية، كما أنها تشكك في إمكانية تطبيق السلطات القوانين على جميع مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.
يحتوي الميثاق الإعلامي المصري، الذي قدمه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عام 2021، على عدة ضوابط منها: حظر نشر أسماء الضحايا أو المعلومات الشخصية، منع نشر مشاهد العنف، وتأكيد أنه يجب افتراض براءة المتهم حتى تثبت ادانته، بالإضافة إلى احترام خصوصية أسر الضحايا، واستناد المعلومات إلى مصادر موثوقة، ومع ذلك، لم تُلتزم بها العديد من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، كما تم رصده.
ضوابط النشر
تشير المحامية النسوية نسمة الخطيب إلى قانون حماية الشهود والمبلغين من عام 2019، الذي يكفل سرية معلوماتهم وهوياتهم، وهو ما يمكن تطبيقه أيضاً لحماية أهالي الضحايا. وتؤكد أنها قد رفضت سابقاً طلبات من وسائل إعلام لإجراء مقابلات مع ضحايا اغتصاب كانت تدافع عنهم، وذلك لأن التغطية الإعلامية قد تؤدي إلى وصم اجتماعي للضحايا، مما يعزز أهمية قرارات حظر النشر.
كما ينص قانون الإجراءات الجنائية على حظر نشر أي وقائع تتحقق من خلالها هوية الأطراف في القضايا قبل صدور الحكم النهائي، لمنع التأثير على العدالة. ويؤكد البلتاجي أنه إذا تم الحكم بالبراءة يجب نشر الحكم في نفس المساحة، متسائلاً: ماذا إذا لم يُنشر بنفس الكيفية؟
ينتقد البلتاجي غياب عقوبات جنائية صريحة، إذ تظل العقوبات مدنية فقط، عبر دعاوى تعويض قد يرفعها المتضررون، مما يواجه صعوبات في التفعيل.
فيما يتعلق بموافقة أسر الضحايا أو المتهمين على إجراء مقابلات، يؤكد البلتاجي أن ذلك لا يعفي الصحفي من المسؤولية، لأنه يجب أن يكون الأكثر دراية بالقواعد المهنية، خاصة أن بعض الأسر قد لا تدرك سياق النشر.


